Let’s travel together.

هل يتمجّدُ القدّيسون، وبشكلٍ خاصٍّ مريم العذراء أمّ يسوع؟

الإجابة على الهرطقات من الكتاب المقدّس

386
في كلّ مرّةٍ نعرض صورًا وصلوات للعذراء مريم أو لقدّيسين، يعلّق بعض الأشخاص المنفصلين عن الكنيسة بتعاليم تبدو مملوءة من الغيرة على مجد الرّب، يتّهمون بها الكنيسة الكاثوليكيّة بالوثنيّة وعِبادة البشر مكان الله، مَبنيّةً على آيةٍ واحدة فقط من الكتاب المقدّس:
«أَنَا الرَّبُّ هذَا اسْمِي، وَمَجْدِي لاَ أُعْطِيهِ لآخَرَ، وَلاَ تَسْبِيحِي لِلْمَنْحُوتَاتِ.” (أش 42: 8 ) مُرَدّدين: “لا تكرّموا ولا تمجّدوا البشر الذين ماتوا، فالمجدُ هو لله فقط.”
فاحذروا ولا تنخدعوا! ألم يعتمد هذا الأسلوب إبليس نفسه في تجربة الرّب يسوع في الصّحراء، إذ راح يواجُهه بآياتٍ من الكتاب؟ وألم يُفحِمُهُ يسوع بالآيات أيضًا؟ (لو 4: 1- 13)
إن كانوا يؤمنون بالكتاب المقدّس، فلماذا يتّخذون آيةً ويتناسون مئات الآيات أُخرى؟

فهذا الردّ سيكون مُوجَّهًا إليهم من الكتاب المقدّس، بُغية إنقاذهم من ضلالهم وظُلمة الهرطقات من جهةٍ، ولكي نعرف كيف نردّ نحن عليهم من جهةٍ أُخرى ولا ننجرّ “بكلّ ريح تعليمٍ” (أفس 4: 14)

 

1- «أَنَا الرَّبُّ هذَا اسْمِي، وَمَجْدِي لاَ أُعْطِيهِ لآخَرَ، وَلاَ تَسْبِيحِي لِلْمَنْحُوتَاتِ.” (إش 42: 8 )
قال الرّب هذه الآية للنبيّ أشعيا، ناهيًا شعبه عن عبادة الأوثان وتأليه الحجر والسّجود له، كما كان يوصي شعبه منذ البداية مع موسى وجميع الأنبياء: “أَنَا هُوَ الرَّبُّ إِلهُكَ الَّذِي أَخْرَجَكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ مِنْ بَيْتِ الْعُبُودِيَّةِ. لاَ يَكُنْ لَكَ آلِهَةٌ أُخْرَى أَمَامِي. لاَ تَصْنَعْ لَكَ تِمْثَالًا مَنْحُوتًا صُورَةً مَّا مِمَّا فِي السَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ أَسْفَلُ وَمَا فِي الْمَاءِ مِنْ تَحْتِ الأَرْضِ .لاَ تَسْجُدْ لَهُنَّ وَلاَ تَعْبُدْهُنَّ، لأَنِّي أَنَا الرَّبُّ إِلهُكَ إِلهٌ غَيُورٌ…” (تثنية 5: 6- 9)
لقد قصد الله بقوله هذا أن لا بشر يستطيع أن يأخذَ مجده أو يحجُبَه، فيصير الإنسان أو الصّنم (الحجر) هو هو غاية العبادة والسّجود والإكرام مكان الله، وينسى الإنسانُ إلَهَهُ الذي خلقه وخلّصه… ولكن هذا لا يعني أنّ الله نفسه لا يُظهِر مَجدَه من خلال الإنسان المَخلوق، أو أنّه لا يرفع من شأن البَشر ومكانتهم، وبخاصّةٍ في السّماء، كرامةً لاسمِه القدّوس ولمجده تعالى!
فالنّبي أشعيا نفسه يقول أيضًا: “قال لي الرّبُّ أنتَ عَبدي إسرائيلَ الَّذي بهِ أَتَمجَّدُ” (أش 49: 3)
“قال الرَّبُّ، جابلي من البطن عبدًا له(…) أتمجَّدُ في عَينَيْ الرَّبّ، وإلهي يَصيرُ قوَّتي.” (أش 49: 5)
“…أُمَّةٌ لم تعرفكَ تَركضُ إليكَ من أجل الرَّب، إلهكَ وقدّوس اسرائيل، لأنّه قد مجَّدكَ.” (أش 55: 5)

2- أمّا مع تَجُسُّد الكلمة، يسوع المسيح، فقد “أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ.” (في 2: 7) و”شابَهنا في كُلِّ شيءٍ ما عَدا الخَطِيئة” (رو ٨: ٣) رَافعًا طبيعتنا البشريّة أكثر من ذي قَبل، ليُمَجَّد الإنسانَ صُنع يَدَيه، فيَتمجَّدَ يسوع الإله به إلى الأبد.

 

وإنّ اللهُ يتمجّدُ أوّلًا بنا على الأرض من خلال أعمالنا الحسنة- يقول الرّب يسوع: “بِهذَا يَتَمَجَّدُ أَبِي: أَنْ تَأْتُوا بِثَمَرٍ كَثِيرٍ فَتَكُونُونَ تَلاَمِيذِي.” (يو 15 :8)
“فليُضِئ نورُكم هكذا قدّام النّاس لكي يَروا أَعمالكُم الحَسنة ويُمَجِّدوا أباكم الَّذي في السّماوات.” (متى 5: 6) لنتوقّف عند كلمة: “نورُكم” الذي هو أيضًا نور القدّيسين في السّماء. ويُضيف: “أنا مُمَجَّدٌ فيهم” (يو 17: 10)

لذا ظهر النبيَّان موسى إيليّا مُمَجَّدَين مع يسوع على الجبل: “ظَهَرا بِمَجْدٍ” (لو 9: 31)

3- إنّ الله يرفع من شأنِ الإنسان ويُمجّدُه، من أجل مجدِه هو، لا من أجل مَجدِ الإنسان!
فقد أكّد يسوع أنّ الله مَجَّد المَلكَ سُليمان على الأرض: “إنَّ سليمانَ في كلِّ مَجدِه، لم يَلبِس كواحدةٍ من سنابل الحقلِ” (متى 6: 29)
وهو قد تجسّد وافتدانا ليُشرِكنا بمجدِه العظيم: “وَأَنَا قَدْ أَعْطَيْتُهُمُ الْمَجْدَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي، لِيَكُونُوا وَاحِدًا كَمَا أَنَّنَا نَحْنُ وَاحِدٌ.” (يو 17 : 22)
“قَالَ يَسُوعُ لتلاميذه: «الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الَّذِينَ ثَبَتّم معي، فِي التّجاربِ، مَتَى جَلَسَ ابْنُ الإِنْسَانِ عَلَى كُرْسِيِّ مَجْدِهِ، تَجْلِسُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ كُرْسِيًّا تَدِينُونَ أَسْبَاطَ إِسْرَائِيلَ الاثْنَيْ عَشَرَ.” (متى 19: 28)
“فَإِنْ كُنَّا أَوْلاَدًا فَإِنَّنَا وَرَثَةٌ أَيْضًا، وَرَثَةُ اللهِ وَوَارِثُونَ مَعَ الْمَسِيحِ. إِنْ كُنَّا نَتَأَلَّمُ مَعَهُ لِكَيْ نَتَمَجَّدَ أَيْضًا مَعَهُ. فَإِنِّي أَحْسِبُ أَنَّ آلاَمَ الزَّمَانِ الْحَاضِرِ لاَ تُقَاسُ بِالْمَجْدِ الْعَتِيدِ أَنْ يُسْتَعْلَنَ فِينَا.” (روم 8: 17: 18)
“وَالَّذِينَ دَعَاهُمْ، فَهؤُلاَءِ بَرَّرَهُمْ أَيْضًا. وَالَّذِينَ بَرَّرَهُمْ، فَهؤُلاَءِ مَجَّدَهُمْ أَيْضًا.” (روم 8: 30)
“مَتَى جَاءَ (يسوع بمجيئه الثاني المجيد) لِيَتَمَجَّدَ فِي قِدِّيسِيهِ وَيكونُ آيةً للذُّهُولِ فِي جَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ… لِكَيْ يَتَمَجَّدَ اسْمُ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ فِيكُمْ، وَأَنْتُمْ فِيهِ، بِنِعْمَةِ إِلهِنَا وَالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ.” (1 تس 1: 10/ 12)

4- لمَ يقبلُ المُنشقّون هذه التعاليم إن طُبِّقت عليهم، ويرفضونها رفضًا قاطعًا إن قيلَت للعذراء مريم والقديسين وحتّى للأنبياء والرّسل الّذين وُجِّهت إليهم مُباشَرةً، بحجّة عبادة الإنسان المائت وخيانة الله. أليس هذا روح الكبرياء؛ روح إبليس نفسه؟

ولكن يجب أن نفرّق بين الإنسان الذي يبتغي مجده الخاص من الله أو من النّاس بروح الكبرياء وحبّ الظّهور، وبين الذي يتواضع ويتماهى بالمسيح فيرفعه الله ويمجّده. “كيف تقدرون أن تُؤمنوا وأنتم تَقبلون مجدًا بعضُكم من بعض، والمجد الذي من الإله الواحد لستم تطلبونه؟” (يو 5: 44)
5- ختامًا؛ إن كان الله اتّخذ طبيعتنا ليتمجّد بالانسان ويُمَجِّدَه ويُشركه في مجده، فكم بالحريّ تمجّد بأمّه مريم، حالًّا فيها بمِلئِه، وقد أشرقَ من أحشائها إلينا؟ كم بالحريّ يتمجّد بها، هي التي لم تعرِف خطيئة، وقد أضاءَت أعمالها الحسنة قدّام النّاس، بأمانتها الّتي لا مثيل لها؟
كم بالحريّ مجّد أمَّهُ مريم، عندما اتَّحد بها اتّحادًا لم ولن يعرفه البشر أو الملائكة، وقد صارت هي تابوت العهد الجديد وعرش مجده؟ كم بالحريّ مجّدها لابسًا جسدًا من جسدها ومُتّخذًا دمًا من دمائها، بقوّة الرّوح القدس؟ كم بالحرّي مجّدها، إذ كافأها على آلامها عند الصّليب وقد جاز سيفٌ في قلبها بمشاركتها في فدائه؟
فعلًا إنَّ ذلك لموضوعٌ يستحقّ وحده كلّ توسّع، ولا يكفيه كلّ الشّروحات، ولكن يكفينا كلمات مريم نفسِها فتكون لنا مفتاحًا لنغوص في سرّ مجدها وعظمتها اللّذَين لا يُدركا إلّا في السّماء: “نَظَرَ إِلَى اتِّضَاعِ أَمَتِهِ. فَهُوَذَا مُنْذُ الآنَ جَمِيعُ الأَجْيَالِ تُطَوِّبُنِي، لأَنَّ الْقَدِيرَ صَنَعَ بِي عَظَائِمَ” (لو 1: 48)
ليست هي مجرّد أمةً للرّب خاليةً من كلّ مجدٍ وإكرام، إنّما بقدر اتّضاعها وانسحاقها رفعها الله وعظّم اسمها وطوّبها، كما تؤكّد: “رفَع المُتواضعين” (لو 1: 52)
تابعوا المزيد على صفحة قلب مريم المتألم الطاهر

Comments are closed.