Let’s travel together.

لمحة عن حياة القدّيس المريميّ العظيم، معلّم الكنيسة، ألفونس ليغوري

1٬051
عند الكشف عن جثمان هذا القديس، طلب قداسة البابا بيوس السّابع، إرسال الأصابع الثلاثة من يده اليمنى، قائلًا: “فلتُحفظ هذه الأصابع الثلاثة بعنايةٍ فائقة وتُرسل الى روما، هذه الأصابع التي كتبت بجدارةٍ عن مجد الله، والعذراء القديسة، والديانة”
 
إليكم لمحةً عن حياته:
 
1- الطّفولة
ولد ألفونس ماري دو ليغوري في 27 أيلول 1696 في مدينة نابولي الإيطاليّة من عائلة نبيلة وغنيّة. وقد أنعم بمواهب عديدة، إذ نال شهادة “بروفسور” في القانون المدنيّ والكنسيّ وهو ما زال في الـ27 من عمره. كان من أشدّ المحامين براعة، وقد سجَّل نجاحاتٍ باهرة طوال 8 سنوات في جميع مرافعاته. لكنّه بفضل عطشه إلى الله وتوقه إلى الكمال، أدرك بنعمةٍ من الربِّ أنَّ النّداءَ الذي يضجّ في قلبه ينطوي على رسالةٍ هامّة جدًّا.
 
2- الكهنوت
ففي العام 1723، ومع رفضه للظّلم والفساد، اللَّذين أثقلا كاهل الوسط القضائيّ يومها، تخلَّى عن مهنة المحاماة، وعن ثروة أهله والنّجاحات الباهرة، وقرَّر الإنخراط في سلك الكهنوت رغم معارضة أبيه. فتتلمذ على معلّمين متميِّزين درَّبوه على أصولِ دراسة الكتاب المقدَّس وتاريخ الكنيسة وعِلمِ الحياة الرّوحيّة. واكتسب بذلك ثقافةً لاهوتيّةً واسعةً أفادته في كتابة مؤلّفات عديدة. سيمَ كاهنًا سنة 1726 وانضمَّ إلى الجمعيّة الأبرشيّة للنّشاطات الرّسوليّة للقيام بخدمته الكهنوتيّة.
3- التبشير
بدأَ ألفونس رسالته في بشارة الإنجيل ناشرًا المَبادىء المسيحيَّة بين الفقراء من أبناء نابولي المهمَّشين، وكان يتوق لحمل البشارة إليهم، فناضل كي يعلِّمهم حقائق الإيمان الأساسيَّة ويدعوهم إلى التوبة والصلاة، إذ كان معظمهم غائصًا في الرّذائل وأعمال الإجرام، فحقّق نتائج باهرة.
في سنِّ الـ 35 فكَّر بالإنطلاق لتبشير الملحدين من النّاس، فاتّصل بالمزارعين والرّعاة في أرياف نابولي. وفوجىء بجهلِهم للقضايا الدينيَّة، وحال التّهميش التي يعانون منها، فقرَّر ترك المدينة ليخدُمَ المهمَّشين روحيًّا وماديًّا.
عام 1732 أسَّسَ “رهبنة الفادي الأقدس”، أمّا المكرَّسون الّذين رافقهم ألفونس فكانوا مُرسَلين متجوّلين، يقصدون القرى البعيدة ، داعين الناس إلى التّوبة والصّلاة وحياةٍ مسيحيّة حارّةٍ.
 
4- الأسقفيّة والغيرة الرّسوليّة ومساعدة المحتاجين
في العام 1762 تدخّل قداسة البابا إكليمنضوس الـ13 لكي يُعِيّنَه -بأمر الطّاعة- أُسقفًا على “سانت أغاتا دو غوتي” تقديرًا لمحبَّته وغيرته الرّاعويّة، لأنّه كان قد رفض مرّاتٍ عديدة هذا المنصب لتواضعه الشّديد!
وقد حصلت هذه الأبرشية في عهده على أثمارٍ روحية عظيمة، وتغييراتٍ عجيبة في الاكليروس والشعب، بسبب مواعظه وتدابيره وارشاداته، ومثال فضائله السامية، وإماتاته الشّاقة، ولاشى العادات الرديئة وأسباب الشكوك، ساهراً على تصرفات الاكليريكيين وتربيتهم، وعلى درس العلوم، وتأييد المدارس، وإزالة الكتب السّيئة، مجتهداً في تشييد الأديرة والكنائس. ولم يكن يتغافل عن زيارة أ المسجونين، وإيفاء ديونهم، وإسعاف عائلاتهم…
 
5- صلوات وتقشّفات
وإنّ كثرة اهتماماته وأتعابه لم تصرفه عن قضاء ساعاتٍ يوميًا في الصَّلوات العقليّة والسّجود أمام القربان الأقدس! فعاش متّحدًا بالله بعواطف الحبّ الشديد.

ولم يكن يسمح لذاته بالنوم سوى بـ5 ساعاتٍ فقط من الـ24 ساعةً، وفوق كيسٍ من تبنٍ مرصوصاً كالصّخرة، يحتوي على بعض الحجارة. وفي شدّة البرد لم يكن يتدفّأ أبدًا، ولكي يحرّك أصابع يديه المجلدة من ليستطيع الكتابة، كان يدفئها بحديدٍ محمًّى في النار. وأمّا أكله الاعتياديّ فكان الخبز مع مَرقةٍ مسلوقةٍ بحشائش مرّة. ويضيف عليها بعض الفواكهة، ممتنعاً عن أكل اللحوم والأسماك. وكان يشدّ كتفيه على اللّحم بخيشٍ، وذراعيه بسلاسل رفيعةٍ، وحقويه بزنارٍ حديدٍ ذي أشواكٍ حادّة. هذه ما عدا آلاتٍ أخرى لتعذيب جسده، وكان يجلد ذاته يومياً لحد نزفه دمًا.


6- آلامٌ وأمراضٌ كبيرةٌ
كانت الأمراض تعتريه حيناً بعد حينٍ، ولكن أشدّها ألمًا كان يباس عَرَقِه على جسده، أثناء إحدى عظاته… فتكبَّد بسببها أوجاع تشنّج أعضائه كلّها مدة أشهرٍ عديدة بصبرٍ عجيب، ووجهٍ بشوشٍ مغتدياً يومياً بالقربان الأقدس. وعندما فحصه الأطّباء اعتراهم انذهالًا عظيمًا، إذ وجدوا تحت عنقه دُملةً كبيرةً كجمرةٍ حارقةٍ، مقذفةً موادٍ رديئة، لم يكن قد أصدر بسببها أدنى علامة توجعٍ أم تنهّدٍ، رغم ما كانت تسبّب له ألماً فائق الاحتمال. وقد حكم الأطّباء أنّها غير قابلة للشفاء، لكنّ الله بقدرته شفاه منها ومن التّشنج. الّا أن عروق رقبته قد قَصُرت، بنوع أنَّ رأسه لبث مُنحنياً الى صدره بدون انتصابٍ بتةً. ولكنّه عاد الى ممارسة الوعظ والإرشادات، من دون أن يستطيع العمل على الافتقاد الأسقفي. الأمر الذي دفعه إلى توسّل الحبر الأعظم أكليمنضوس 14، في أن يقبل تنازله عن الأبرشية، غير أنّ البابا ردّ قائلاً: “إنّ صلاةً واحدةً مقدمةً منك وأنت على فراشك من أجل رعيّتك، هي أكثر فائدةٍ لها من ألف افتقادٍ أسقفيٍّ تصْنَعُه.”
 
7- محبّة العذراء مريم
من يستطيع أن يصف حبّه وولعه الشّديدين بوالدة الإله؟ فقد كرّس لها ذاته تكريساً كاملًا لخدمتها، مُلتجئاً إليها في احتياجاته كلّها، فائزاً بجميع النّعم بواسطتها، ولم يكن يشبع من مدائحها وتماجيدها في مواعظه وتأليفاته وقصائده وخطباته، أو يملّ من دعوة الناّس على التعبّد لها، مواظباً منذ نعومة أظفاره على زيارة أيقوناتها المقدّسة يومياً، مشتركاً في أخوياتها، مُجتهداً في اختراع طرق جديدةً تجذب القلوب لمحبّتها، حتّى لُقّب: برنردوس الثّاني:
وقد ألزم نفسه بأن يصوم في كلّ يوم سبتٍ على الخبز والماء، ويعترف بزلّاته تحت حمايتها، و يعظ بأمجادها ويتلو ورديتها. وقد شرّفته هذه الأمّ الإلهية، بأنها ظهرت له مرّاتٍ كثيرةً … كما حدث له في مدينة مالفي اذ كان يعظ فاتّجه بالتّضرعات نحو أيقونتها المقدّسة. فانخطف عن حواسه وارتفع بجسمه كلّه عن الأرض علوًا، وأشرقت من أيقونة العذراء أشعةٌ عظيمةٌ كالشمس الى وجهه، واستمرّ هذه المعجزة أمام الشعب الغفير في الكنيسة لمدّة ستِّ دقائق.
 
8- انتهاء زمن الأسقفيّة وعزلته
بعد أن استمر مدّة 5 سنواتٍ أخرى يسوس أبرشيّته في تلك الحال، جدّد التوسّل لدى البابا بيوس السادس، فقَبِل قداسته تنازله عن الأسقفيّة، لا سيّما لضعف نظره وسمعه بسبب الشيخوخة، اذ كان له وقتئذٍ من العمر 80 سنةً، وودّع رعيّته وسط بكاء جميع أبناء الرّعيّة.
ورجع الى دير القديس ميخائيل كرسي جمعيته، في مدينة باغاني. ولكن عوض أن يستريح من أتعابه، اجتهد حرارةً في تأليف الكتب، وممارسة الإماتات والصلوات العقليّة. ولبث يمارس الوعظ في كنيسة الدير أيّام الأعياد والسبوت، ويشرح التعليم الكاثوليكيّ، واستمرّ هكذا الى أن فقد القدرة على المشي. وحينئذٍ ابتدأ يتناول القربان المقدس من أيدي الكهنة يومياً، ويغوص في التأمّل مخطوفاً عن حواسه أحياناً مدة 8 ساعات وأكثر.
 
9- موته وإعلان قداسته
توفِّيَ في 1 آب 1787، فما كان من البابا إلاّ أن هتف: “لقد كان قدّيسًا”، وأعلنت الكنيسة قداسة ألفونس سنة 1839، وسُمِّيَ معلِّمًا للكنيسة سنة 1871. وقد تطابق هذا اللّقب مع شخصه لأسباب عدَّة: أوَّلاً، لأنّه وضع تعليمًا مكثّفًا للاهوت الأدبيّ، يُعبِّر فيه عن العقيدة الكاثوليكيَّة، لدرجة أنَّ البابا بيوس الثاني عشر أعلنه “شفيع المعرِّفين واللّاهوتيّين الأدبيّين”. (اللّاهوت الأدبيّ هو شرح الفضيلة والخطيئة)
 
إخوتنا الأحبّاء؛
إنّ أفضل ما يُعرض في عيده، هو إلقاء الضوء على أحد أعظم الكتب المريميّة في تاريخ الكنيسة: “أمجاد مريم البتول”!
لا سيّما في هذا الزمن الصعب الذي نعيشه، حيث يشنّ التنين الأحمر (إبليس) هجومه الأعنف ضدّ المرأة الملتحفة بالشمس (مريم)، إذ يتقيّأ سيلًا من الماء من فمه ليُغرِقها (التعاليم الخاطئة، منها البروتستانتنيّة)- (رؤ 12)
لقد قضى القديس ألفونس حوالي 16 سنة من الجدّ والتعب والصلاة والأبحاث الّلاهوتيّة، والتدقيق، والتوثيق، وتجميع شهادات حياة… فهذا الكتاب قد أغنى جيلًا كامِلًا من القديسين (كلّ القديسين دون استثناء منذ نشر كتابات القديس في العالم)، نذكر منهم: شربل، نعمة الله الحرديني، رفقا، والقديس غابريال لسيدة الأوجاع، الذي قال فيه:
“إذا أردتم أن تتعرّفوا على مريم وتتعلّقوا بها من خلال مَحبّتها، وإن كان لديكم هاجس خلاص نفوسكم، إقرأوا كتاب “أمجاد مريم” فتتعرّفوا على هذه الأمّ الكليّة الرّحمة!”
فقد جمع في هذا الكتاب كلّ ما قيل عن العذراء مريم أو رمَز إليها الكتاب المقدّس، وكلّ ما كُتِب عنها في الإنجيل، وعند الآباء القديسين، وربطها ببعضها البعض بمنطقٍ سليمٍ وبسيطٍ لتعطينا أيقونة مريميّة مٌتكاملة لا نجِدها في أيِّ كتاب آخر.
 
والكتاب قسمَين:
-الأوّل يتكلّم على النعم الغزيرة السامية التي توزّعها العذراء على المتعبّدين لها، شارحًا كلمات: “السلام عليكِ أيتها الملكة”
-الثاني: يشرح ما يختصّ بأعيادها، وعن أحزانها، وفضائلها السامية، وأنواع العبادات التي يجب أن تكرّم بها. كما العديد من الأخبار الخاصة بتدخّل العذراء العجائبيّ. ونبذة عن سيرة حياة القديس المؤلّف.
** بالإضافة إلى صلوات قلبيّة رائعة الى العذراء من تأليفه **

(((متوافر في جميع المكتبات الروحية)))

 

تابعونا على صفحة @قلب مريم المتألم الطاهر

Comments are closed.