Let’s travel together.

إيمان البسطاء سيخلّص الكنيسة (قداسة البابا بنديكتوس السادس عشر)

989

ردًّا على كلّ السّخريات بحقّ إيمان البسطاء، والاستهزاء بظهورات العذراء ونبوءاتها والمسبحة الورديّة، حتّى من قبل بعض المكرّسين)
(نص افتتاح سينودس الشرق الأوسط، 11 تشرين الأول/أكتوبر 2010)

1- الأمّ التي وَلَدت الله، تلدُ الكنيسة أيضًا

لقد بدأ المجمع الفاتيكاني الثاني مع أيقونة الـ”ثيوتوكس” (أمّ الله) وفي الختام أقرّ البابا بولس السادس للعذراء مريم نفسها بعنوانَ “مريم أمّ الكنيسة” “” (“Mater Ecclesiae  “). وهاتان الأيقونتان مرتبطتان جوهريًّا وهما أخيرًا أيقونة واحدة. لأنّ المسيح لم يولد كما فرد بين آخرين.
 لقد وُلِد ليخلق لنفسه جسدًا: وُلِد –كما يقول يوحنّا في الفصل 12 من إنجيله- ليجذب الجميعَ إليه وفيه. لقد وُلِد –كما تقول الرسالتان إلى أهل كولوسّي وأفسس- من أجل أن يجمع تحت رأسٍ واحدٍ العالمَ أجمع، وُلِد كبكرٍ لأخوةٍ كثيرين، وُلِد ليجمع الكون في ذاته، حتّى يكون هو الرأس لجسمٍ كبير. حيث يولد المسيح تبدأ لحظة حركة الجمع تحت رأس واحد، تبدأ لحظة الدعوة، لحظة بناء جسده، بناء كنيسته المقدّسة. إنّ أمّ “ثيوس” (الله)، والدة الله، هي أمّ الكنيسة لأنّها أمّ ذلك الذي أتى ليجمعنا في جسده القائم من الموت.

يُفهمنا القدّيس لوقا ذلك في الموازاة بين الفصل الأوّل لإنجيله والفصل الأوّل لأعمال الرسل، اللّذَين يعيدان على مستويَين السرَّ نفسه. في الفصل 1 من الإنجيل، يحلّ الروح القدس على مريم، وهكذا تَلد، وهكذا تعطينا ابن الله. في الفصل 1 من أعمال الرسل، مريم هي في وسط تلاميذ يسوع الذين يصلّون جميعًا، سائلين سحابة الروح القدس. هكذا، من الكنيسة المؤمنة، مع مريم في وسطها، تُولَد الكنيسة، جسد المسيح. إنّ الولادة المزدوجة هي ولادة “Christus totus  “، المسيح الكلّيّ، المسيح الذي يعانق العالم ويعانقنا جميعًا.

ولادةٌ في بيت لحم، ولادةٌ في العلّيّة. ولادة يسوع الطفل، ولادة جسد المسيح، الكنيسة. إنّهما حدثان أو حدثٌ واحد. ولكن في الحقيقة يوجد بين الاثنين الصليبُ والقيامة. وعبر الصليب فقط يكون المسار نحو كلّيّة المسيح، نحو جسده القائم من الموت، نحو جعل كيانه شموليًّا في وحدة الكنيسة. ذاكرين هكذا أنّه فقط من حبّة الحنطة الواقعة في الأرض يولد من بعدها الحصاد الكبير، من الربّ المثقوب بالمسامير على الصليب تأتي شموليّة تلاميذه المجتمعين في جسده هذا المائت والقائم من الموت.

2- الآلهة ستسقُط !

..يتّجه بذلك نظرنا إلى السفر الأخير من الكتاب المقدّس، الرؤيا، حيث تظهر بالضّبط هذه الخلاصة في الفصل 12. إنّ المرأة المتّشحة بالشمس مع اثنتي عشرة نجمة حول رأسها والقمر تحت قدميها تَلِدُ. وتَلِد مع صرخة ألمٍ، تلد بألمٍ كبير. إنّ السرّ المريميّ هنا هو سرّ بيت لحم مُوَسَّعٌ إلى السرّ الكونيّ. يولد المسيح دائمًا من جديد في الأجيال كافّةً ويستوعب هكذا، يجمع الإنسانيّة في ذاته. وهذه الولادة الكونيّة تتحقّق في صرخة الصليب، في وجع الآلام. وإلى صرخة الصّليب هذه ينتمي دمّ الشّهداء.
  في المزمور 81، نرى جزءًا من هذا السياق: “أنتم آلهة وكالبشر تموتون”(مز 81: 6-7) الله موجود بين الآلهة – لا يزالون يُعتبرون آلهة في إسرائيل-. نشهد في هذا المزمور، في تركيزٍ كثيفٍ وفي رؤيا نبويّة، فقدان الآلهة قوّتهم. إنّ الذين يبدون كآلهة ليسوا بآلهة ويفقدون صفتهم الإلهيّة، إذ يقعون على الأرض؛ أي فقدان القوّة، سقوط الآلهة.

إنّ هذا المسار الذي يتحقّق في مسيرة إيمان إسرائيل الطويلة، والذي هو موجزٌ هنا في مشهد وحيد، هو مسار حقيقيّ لتاريخ الدّيانة: “سقوط الآلهة”. هكذا يكون تحويل العالم، معرفة الإله الحقيقيّ، فقدان القِوى التي تسيطر على العالم قوّتها، يكون مسارًا أليمًا. في تاريخ إسرائيل نرى كيف يتحقّق هذا التحرّر من تعدّد الآلهة، هذا الاعتراف –”وحده هو الله”- في وسط آلام عديدة، بدءًا بمسيرة إبراهيم فالسبي فالمكابيّين وصولاً إلى المسيح. ويستمرّ في التاريخ فقدان هذه القوّة الذي يتكلّم عنه سفر الرؤيا في الفصل 12؛ يتكلّم عن سقوط الملائكة، الذين ليسوا ملائكةً، ليسوا آلهةً على الأرض. ويتحقّق ذلك فعليًّا، خصوصًا في زمن الكنيسة الناشئة، حيث نرى كيف تفقد تلك الآلهة، بدءًا بالإمبراطور الإلهيّ لكلّ تلك الآلهة. قوّتها بفعل دمِ الشهداء أنّه دمّ الشهداء، الألم، صرخة الأمّ الكنيسة، الذي يجعلها تسقط ويغيّر هكذا العالم.

3- كلّ شيء سيخضع للمسيح ولكن بثمن الدمّ

هذا السّقوط ليس فقط معرفة أنّها ليست الله؛ إنّه مسار تحويل العالم، الّذي يكلّف الدّم، الّذي يكلّف معاناة شهود المسيح. وبالنظر جيّدًا، نرى أنّ المسار هذا لم ينتهِ بعد. يتحقّق في فترات التاريخ المختلفة بطرقٍ جديدة دائمًا؛ اليوم أيضًا، في هذه اللّحظة، التي على المسيح، ابن الله الوحيد، أن يُولد فيها من أجل العالم، مع سقوط الآلهة ومع الألم، شهادة الشهود.
لنفكّر في القوى الكبرى في تاريخ اليوم، لنفكّر في رؤوس الأموال المجهولة الهويّة التي تستعبد الإنسان، والتي لم تعد ملكًا للإنسان بل تشكل قوّة مجهولة يخدمها البشر، يتعذّبون بها ويُقتلون بها. هي قوّة مُدَمِّرة تهدّد العالم. لنفكّر بعد ذلك بقوّة الإيديولوجيّات الإرهابيّة التي تمارس العنف ظاهريًّا باسم الله، لكنه ليس الله الحقيقيّ، بل هي آلهة كاذبة لا بدّ من نزع القناع عنها، وليست الله. ومن ثمّ، لنفكّر بالمخدّرات، تلك القوّة التي تمدّ يديها كوحش نهم إلى أقاصي الأرض كلِّها لتدمّر: إنّها إله ولكنّه إله كاذب يجب أن يسقط. ومن ثمّ، لنفكّر في طريقة العيش السائدة على مستوى الرأي العام: اليوم هكذا تجري الأمور، الزواج لم يعد يهمّ، العفّة لم تعد فضيلة، وهلمّ جرًّا… تلك الإيديولوجيّات المسيطرة والتي تفرض نفسها بقوّة هي آلهة. ولنفكّر في ألم القدّيسين، في ألم المؤمنين، والأمّ الكنيسة التي ننتمي إليها، يجب أن تسقط تلك الآلهة، وأن يتحقّق ما تقوله الرسالتان إلى الكولوسّيّين وإلى أهل أفسس: “إنّ القوى المُسيطرة تسقط وتصبح خاضعة للسيّد يسوع المسيح الأوحد.”

4- إيمان البسطاء سيخلّص الكنيسة من العَقلَنة!
 يتحدّث سفر الرؤيا في فصل 12، بصورة غامضة، عن هذا الكفاح الذي نخوضه، عن فقدان الله قوّته، وعن سقوط الآلهة الكاذبة التي تسقط لأنّها ليست إلهيّة، لكن قوى تدمّر العالم.
يقول السفر إنّ “التنّين يقذف من فمه نهرًا كبيرًا ليجرف المرأة الهاربة”. (رؤ 12: 15) ويبدو محتّمًا أن تغرق المرأة في النهر. لكنّ الأرض الصّالحة تبتلع النهر فلا يستطيع أن يلحق الأذى بها. أرى أنّ من السهل تفسير النهر: إنّه تلك التيّارات التي تتحكّم بكلّ شيء والتي تهدف إلى زعزعة إيمان الكنيسة، التي تبدو وكأنّها فقدت مكانها أمام قوّة تلك التيّارات التي تفرض نفسها كالمنطق العقلانيّ الوحيد وكطريقة العيش الوحيدة. أمّا الأرض التي تبتلع التيّارات، فهي إيمان البسطاء، الإيمان الذي لا يسمح للنّهر بأن يجرفه، فيخلّص الأمّ ويخلّص الإبن. لهذا يقول: “إنّ إيمان البسطاء هو الحكمة الحقيقيّة” (مز 118: 130). تلك الحكمة الحقيقيّة للإيمان البسيط، والتي لا تستسلم للماء فتبتلعها، هي قوّة الكنيسة.
عدنا هنا إلى السرّ المريميّ.
“فتزلزل أسس! الأرض كلّها” (مز 81: 5)، تهتزّ أساسات الأرض. نشهد هذا الواقع اليوم، من خلال المشاكل المناخيّة، كم إنّ أسس الأرض مهدّدة، ولكنّها مهدّدة من قِبَل تصرّفنا. إنّ الأساسات الخارجيّة تتزعزع لأنّ الأساسات الداخليّة تهتزّ، الأساسات الأخلاقيّة والدّينيّة، الإيمان الذي منه تنشأ طريقة العيش المُستقيمة. نحن نعرف أنّ الإيمان هو الأساس، وفي النهاية، لن تتزعزع أساسات الأرض إذا بقي الإيمان الثابت، الحكمة الحقيقيّة.

5-” فلنتّكل من جديد على أمّ الله مريم!

 “قم، يا ألله، ودِن الأرض” (مز 81: 8). هكذا، لنقل نحن أيضًا للربّ: “انهض في هذه اللّحظة، خذ الأرض بين يديك، احمِ كنيستك، احمِ الإنسانيّة، احمِ الأرض”. فلنتّكل من جديد على أمّ الله مريم ولنصلِّ: “أيّتها المؤمنة العظيمة، يا من حملت الأرض إلى السماء، ساعدينا، وافتحي الأبواب اليوم أيضًا، لكي تنتصر الحقيقة، إرادة الله التي هي الخير الحقّ وخلاص العالم الحقيقيّ”. آمين.

Comments are closed.