Let’s travel together.

القديسة تقلا الشهيدة، مُعادلة الرُّسل †

926

 

وُلدت القديسة تقلا في مدينة أنطاكية في تركيا، من والدين وثنيين في سنة 20م، وكان والدها والياً على إنطاكية، وأمّها سيدة فاضلة ومتمسكّيَن بديانة آبائهما الوثنية،  ونشأت القديسة في هذا البيت وترعرعت فيه وتنعّمت بالجاه والثراء ورفاه العيش،  وكانت ذات حسنٍ وجمالٍ، حتى أنّ طالِبيها للزواج أصبحوا لا يُحصون عدداً، وتقدّم منها شاب اسمه ناماريوس إلى خطبتها وهو أميرٌ وثنيٌ ومن أعيان وشرفاء البلاد ووصل بحبّه لها حتّى العبادة، وكانت ذات ذكاءٍ حادٍ وشديدة الرغبة في تحصيل العلوم والمعارف، فانكبّت على الدراسة، وكانت فصيحة اللّسان.

أثناء ذلك جاء القدّيسان بولس وبرنابا الى إنطاكية يبشّران بإنجيل الرب يسوع، ويعلّمان الناس داعيان إيّاهم إلى المسيحية ونَبذ الوثنيّة، فسمعت القديسة تعاليم القديس بولس واستهوتها، فآمنت بالرّب يسوع وأشرق في قلبها نورٌ لم تشهده من قبل؛ نور المسيح الإلهي !
غير أنّ اليهود أثاروا الوثنيين ضدّ القديس بولس ورفيقه برنابا، لأنّهما كانا جريئَين في البشارة ويَدعمان تعاليمهما بالعجائب، فقبضوا عليهما وقرّروا رَجمهما، فما أن حلّ الظلام حتى نزلت القديسة إلى السّجن بعد أن رَشت حارسه بالمال، إذ كانت قد باعت كلّ ذهبها وحليها الخاص. وتلقّنت من بولس التعاليم السماوية وغادروا ثلاثتهم السجن إلى مكان أكثر أماناً، حيث كانت تقضي أوقاتها بالصلاة إلى الله، وتتأمّل كلام الرسول بولس وتعمل به.

رافقت بولس إلى مدينة أثينا التي كانت عاصمة الفِكر والفن الإغريقي، حيث تلاطمت فيها العبادات للآلهة العديدة، فثار بولس وراح يخاطب اليهود في كلّ مكان، حتى أنّ الوثنيين أصبحوا يُصغون إليه بكلّ انتباهٍ وقَبول، وكان كل ذلك على مرأى ومسمع من القديسة تقلا، فازداد قلبها إيماناً بيسوع المسيح ابن الله الوحيد.

سمع الأبوان عن كل ما حدث لابنتهما، فحاولا إقناعها بشتّى الوسائل المُمكنة ولكن دون جدوى، وعندما عَجز والدها عن إقناعها، وبسبب خوف والدها على مركزه وتحريض الآخرين له، سلّمها إلى الحاكم.


أمر الحاكم بزجّها إلى الأسود لكي تلتهمها، فما كان على الأسود المُفترسة إلّا أن تتراجع وتهدأ عندما شاهدت القديسة، وتجثو عند قدمَيها. ثمّ أمَر بأن تُحرق بالنار، وساعة تنفيذ الحُكم، أبرقت السماء وأرعدت وانهمر المطر الغزير وانطفأت النّار.
ولما لم تفلح النار بها، ربطها إلى طَرفي ثورَين جانِحين، ليشطراها شَطرين، إلا أنّهما مكثَا في مكانهما ولم يحرّكا ساكنًا، فاحتار الحاكم بأمرها، وأراد أن يتخلّص منها بإلقائها في حُفرةٍ عميقةٍ مَليئةٍ بالثَعابين السّامة، فنزلت نارٌ من السماء وأحرقت الثعابين ونجت القديسة من الحُكم ! فدهش الوالي من تلك المعجزات المتكرّرة وخاف من هياج الشعب ضدّه، فاستدعى القديسة وسألها: “مَنْ أنتِ أيّتها الفتاة، وما الذي يردّ عنكِ هذه الوحوش والحيوانات المفترسة ويحميكِ من تنفيذه أوامري”؟!!

فأجابته:
“أنا تقلا أمَةُ يسوع المسيح ابن الله الحي، وهو نجاة المأسورين وتعزية الحزانى، وهو الذي أنقذني من الوحوش والموت، ويحفظني بنعمته وله لمجد والكرامة”.

حينئذٍ أعلن الوالي أمام الشعب وقال:
“إنّ تقلا أمَةٌ يسوع المسيح هي طليقةٌ حرّة” !

فتعالت أصوات التهليل، وخرجت البتول من بينهم وذهبت إلى بيت سيدة شريفة اسمها “طروفينا” التي كانت تعطف عليها، فاتجهت القديسة من أنطاكية الى منطقة معلولا في سوريا، بلاد معلّمها القديس بولس، حيث وجدت الحقل الخصب للتبشير بالرب يسوع، وذاع صِيتها في كلّ المنطقة وانتقلت شهرتها حتّى إلى بلاد الغرب، وكانت تسافر بين الحين والآخر إلى بلاد الغرب وخاصة اسبانيا للتبشر بالرب يسوع، فاعتمد كثيرون منهم باسم ربنا ومخلّصنا يسوع المسيح، واهتدوا إلى الإيمان بالإله الحقيقي، تاركين الوثنية وعبادة الاصنام.

ثمّ عاشت في مغارةٍ حياةً تأمّلية لمدّة 27 سنة، وكان الناس يتجمّعون حولها، ويسمعون إرشاداتها وعن عجائب الله معها، فثار الأطبّاء ضدّها، لأنّ المرضى هَجروهم وذهبوا إلى القديسة وشُفيوا، فأثاروا جماعةً من الأشرار للفَتك بها، وجاءوا إليها فوجدوها تصلّي. وعندما شاهدتهم لم ترتبك، بل رفعت عينيها إلى السماء، فانشقّت الصّخور في الجبال ودخلت فيها، وفرّت منها.
جاء في بعض المخطوطات أنّها وجدت في الصّخرة طريقًا منه انطلقت إلى روما لترقُد وتُدفن بجوار معلّمها بولس الرسول.
ولا تزال الجبال الصخرية والطريق المنشقّة بالقدرة الإلهيّة حتّى يومنا هذا، شاهدةٌ على الأعجوبة التي تفوق الفهم البشري وتُمجّد الرّب القادر على كل شيء. حيث بُني ديرًا وكنسيةً على اسمها.

 

   

وقد عاشت تقلا تسعين سنة، وتوفّيت في 24 أيلول من سنة 110 م. ثم رقدت رقاد الأبرار المُطمئنّين بعد حياة مليئةٍ بالجهاد في سبيل المسيح، ودفنت في سلوقيا، ولا تزالُ بعض أعضاء جسدها تكرّم في اسبانيا…
وقد ورد ذكرها في مواعظ القديسين: باسيليوس الكبير، ويوحنا الذهبيّ الفم، وغريغوريوس النزينزي، وإيرونيموس.

وقد دعتها الكنيسة “الأولى في الشهيدات” حيث تعرّضت لعذابات شتّى، ولأسفارٍ مُضنية وقاسية قضت حياتها كلّها بالتبشير بالإنجيل، رغم أنّها لم تمت قتلًا ! وكما ألقت الكنيسة عليها لقب “المعادلة الرسل”، إكراماً وإجلالاً لها.

للقديسة تقلا شفاعة عظيمة عند الله لكل من يطلب عونها ويستنجد بها، وتشهد على ذلك الأعاجيب التي لا تعدّ ولا تُحصى، خاصّةً في معلولا-سوريا حيث جثمانها.
صلواتها معنا. آمين

صلاة:
يا زنبقة الطهارة وعنوان الشّجاعة المسيحيّة، مارت تقلا البتول يا من صرت أولى الشّهيدات جميعًا، كما كان إسطفانوس أوّل الشّهداء، وقد خصّك الله بوفرة الآيات الباهرة فانعطفت نحوك قلوب المؤمنين فشادوا لك الكنائس والمعابد في أربعة أقطار الدّنيا وحفظوا لكِ أجمل الإكرام. فكنت لهم ملاذًا في الشّدائد والأمراض وأضحى اسمك على كل لسان بما نال من نعم كل من لجأ إليك.
نبتهلُ إليك أن تنعطفي إلينا بنظركِ الحنون وتسأليه تعالى أن يثبّتنا في الإيمان المستقيم، ويساعدنا على حفظ وصاياه المقدّسة ويبعد عنّا المصائب، ويشفي مرضانا، ويضع في قلوبنا الأمان وفي بلادنا السّلام وأن يُريح موتانا في ملكوته السّماويّ. وجميعنا نسبّحه معك ومع جميع القدّيسين إلى الأبد. آمين.

 

تابعونا على الفيسبوك:

قلب مريم المتألم الطاهر

 

Comments are closed.