Let’s travel together.

نعم للتديّن الطبيعي ! الأب يوحنا جحا (راهب لبناني ماروني)

229

 

قيلَ لَكم، على فمِ كثيرٍ من المعلّمين: “أكبر عدوّ للإيمان هو التديُّنُ الطبيعيّ”، أمّا أنا فأقول: “نَعَم للتديّنِ الطبيعيّ”.
فهو حبّة قمحٍ طيّبة زرعَها الله في ترابِ الطبيعةِ البشريّة وهيَ، إن أُحسِنت رعايَتُها، نَمت وصارت سُنبلةً، وأعطت ثمرًا كثيرًا، ثلاثينَ بل ستّين بل مئة.

نَعم للتَدَيُّنِ الطبيعيّ للأسبابِ التالية:
1- السّبب الطبيعيّ: كلّنا يعلَمُ أنّ ما تُنتِجُه الطبيعةُ هو دائمًا أفضل ممّا تعبثُ بهِ فتعدّلهُ أو تُعَلِّبُهُ يَدُ الإنسان. فالعصير الطبيعيّ أفضل من العصير المُعلّب، والفاكهة الطبيعيّة أفضل من الفاكهة المُصنّعة، والحليب الطبيعيُّ أفضلُ من الحليبِ المُجفّف، العلاجُ الطبيعيّ خيرٌ من العلاجِ الكيميائيّ، والرياضةُ الطبيعيّة خيرٌ من النوادي المُغلَقة.
الإيمانُ الطبيعيّ، جَعَلَهُ اللهُ فينا وهو مناسِبٌ لطبيعَتِنا ومُكمّلٌ لَها، ويشكِّلُ مِنها جزءًا لا يتجزّأ.

2- السبب الاجتماعيّ: التديُّنُ الطبيعيُّ ينمو في الشخصِ البشريّ ضمنَ المُجتمعِ الواحد بشكلٍ تلقائيّ (حتّى تُفسِدَهُ الطروحاتُ الفلسفيّة المعاصرة).
لا يبحثُ المؤمِنُ عن فلسفةِ إيمانِه بل يَعيشُهُ بشكلٍ عفويّ صادِقٍ من دونِ شخصنةٍ للإيمان، ولا تحويرٍ للعقائدِ بما يتماشى مع أفكارِه… طبعًا هذا التديُّنُ الطبيعيّ في ظلِّ فسادِ المُجتمعاتِ، باتَ في خطرٍ، فهو لذلك يحتاجُ إلى توجيهٍ كنسيّ، يقومُ على تَنشئة مسيحيّة سليمة تعتمدُ كتاب التعليم المسيحيّ كمُستَنَدٍ رئيسيّ ومرجعٍ نهائيّ، مِن شأن هذا التعليم أن يُثبّتَ في نفسِ المؤمن كلّ إيمانٍ مُستقيم وأن يقوّم كلّ اعوجاجٍ، وأن يحصحّح كلّ اختلال، لا على أساس قناعاتِ المعلِّم، بل على صخرةِ إيمانِ الكنيسة، وتعاليمِها الراسخة.

3- السبب الإنجيليّ: من يقرأُ الأناجيلَ الأربَعَة من دونِ أحكامٍ مُسبقَة، من دونِ الرغبةِ في جَعلِ الإنجيلِ أداةً لتبرير النظريّات المعاصرة، يَجِدُ “ضُعفَ” يسوعَ أمامَ هذا التديُّنِ الطبيعيّ، بخلافِ ما يجدُ من ممانعةٍ عندَهُ أمامَ تعاليم الكتبة والفرّيسيّينَ والمعلّمين.

لَم نَرَ مرّةً واحدةً يسوعَ متحمِّسًا لتلبيةِ رغباتِ “جهابذةِ العلمِ” من الفرّيسيّينَ والكتبة والمعلّمين، أولئكَ الّذين لم يتوانَوا عن التذرّع بنصوصِ الكتابِ لردِّ الجموعِ عن الإيمانِ بِهِ. طلبوا الآياتِ والمُعجزاتِ فحجبَها عَنهم لأنّهم شاؤوا أن يُجرّبوه. واجهَهُم بالتعنيف والتحذير، وسمّاهم حيّات وأولاد أفاعٍ وقبورًا مُكلّسةً وأولادَ إبليس وهدّدهم بنارِ جهنّم !

وفي المُقابِل نعرفُ أنّه لم يردَّ أيَّ سائلٍ خائبًا: دَعونا نُعدّدُ بعضًا من الّذينَ أشفَقَ عليهِم يسوع، وشفاهُم بحسبِ إيمانِهم: الأبرص، والنازفة، والمقعد على بركة حسدا، وابن الأرملة، وابن قائد المئة يائيرُس، وابنة المرأة الكنعانيّة، والمُخلّع، والأعمى، والمَمسوسين، والرّجل ذي اليد اليابسة، والمَقبورَ لَعازر…
ماذا كانَ هؤلاء وبماذا كانوا يؤمنون ؟؟ هل كانوا من أتباع فرويد وكانت وهيغيل !؟ هل كانوا حائزين على شهادات في الفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع والتربية ؟؟؟ هل كانوا دكاترَةً في عِلم اللّاهوت الفَقهِ الكتابيّ ؟ هل كانوا من ذوي النظريّات اللاهوتيّة الحديثة؟ لا ! لا شيءَ من هذا. بل كانوا يتحلَّوْنَ بالتديّنِ الطبيعيِّ. سمِعوا بأخبارِ المسيح ومُعجزاتِهِ فآمنوا… هُم لم يخشَوا سخريَةَ “معلّمي اللّاهوتِ المعاصر” من تصرّفاتِهم وصياحِهم: “يا ابنَ داود ارحمني”… حتّى إنّهم لم يكونوا يؤمنونَ بأنّه “ابنُ الله”.
جوابُ المسيح: “إيمانكم خلّصَكم”
بماذا كانت تؤمن الكنعانيّة الّتي شهدَ لَها المسيح أنّ إيمانَها يفوقُ إيمانَ كلّ إسرائيل؟ بماذا كانَ يُؤمن الرومانيُّ يائيرُس؟ بماذا كانَ يؤمنُ الأبرصُ والأعمى والمقعد والمخلّع والنازفةُ؟
هل كانوا يتلقّون تعليمًا مُلتبِسًا على شاشات التلفزيون في برامج تدّعي تعليمَ الإيمان؟ لا ! بَلْ آمنوا بقدرةِ يَسوعَ على شفائِهم، فأعطاهُم القليلَ الّذي سألوهُ وأغدَقَ فوقَهُ فيضَ النِعَمِ الروحيّة مجّانًا.

 

فأجابَها يسوع: « ما أعظَمَ إيمانَكِ أيَّتها المرأة ! فليَكُنْ لكِ ما تُريدين » (مت 21: 28)

فقال لها: « ثقي يا ابنة. إيمانكِ قد شفاك. إذهبي بسلام ». (لو 8: 48)

 فقال له يسوع: «إذهب. ايمانك قد شفاك» (مر 10: 52)

 


إنّ التديّن الطبيعيّ هو حبّة الخردل الّتي، بنعمة الله، تنمو فتصيرُ شجرة عظيمة تُأوي طيورَ السماء.
التديُّنُ الطبيعيُّ، هوَ هذا الإيمانُ بقدرةِ اللهِ وشفاعةِ مريَمَ العذراء والقدّيسينَ، من دونِ تساؤلات ولا استيضاحات.
إنّهُ الإيمانُ باللهِ مُتجسِّدًا في طبيعةٍ ضَعيفَةٍ من ترابٍ، وفي نفوسٍ تتجاذَبُها الأهواءُ والرّغباتُ والهواجِسُ والأحلامُ والمَخاوِفُ.
عِوَضَ أن نسعى إلى تهديمِ هذا الإيمانَ، دَعونا نتَعاوَنُ على ترسيخِهِ في نفوسِ بُسطاءِ مؤمنينا،
لئلّا يُصيبُنا ما أصابَ أوروبّا عندما سَعَتَ إلى عَقلَنةِ الإيمان، فسَقَطَت في فخِّ “الإلحادِ الطبيعيّ” وما مِن مُنقِذ !

 

الأب يوحنّا جحا (راهب لبناني ماروني)

 

تابعونا يوميًا على صفحة:
قلب مريم المتألم الطاهر 
(أنجح صفحة مريميّة باللغة العربيّة على فيسبوك)

Comments are closed.