Let’s travel together.

القديس “غابرياليه، لسيّدة الأوجاع” – (1862-1838) Saint Gabriel Of Our Lady of Sorrows

43

القديس غابرياليه لسيّدة الأوجاع
(1838-1862)
-San Gabriele Dell’Addolorata-
Saint Gabriel Pour Notre Dame De Douleurs-

 

وُلد في 1 آذار 1838، في أسيزي- إيطاليا، بلدة القديس الكبير “فرنسيس الأسيزي”، فسُمّي على اسمه “فرنشيسكو”. نال معموديّته في اليوم نفسه، في الكنيسة نفسها التي اعتمد فيها هذا القديس.

هو إبن محامٍ لامعٍ وأمٍّ تقية من عائلة ارستقراطية، وكان والده محافظ بلدة “سبوليتو” لأعوامٍ عديدة، وكان همّه الأوّل تربية أولاده على محبّة الكنيسة وعلى روح الصلاة … أنجبا 13 ولدٍ حيث كان “فرنشيسكو” الولد الحادي عشر.
عَرف غايرياليه الألم منذ نعومة أظافره، إذ شهد على وفاة أختين له وأمّه اللواتي توفّين تباعاً، وما لبثت أن توفّيت أختٌ ثالثة بعد فترةٍ وجيزةٍ، وهو لا يزال في الرابعة من عمره. ثمّ توفّي أخوَين آخرَين بعد بضع سنوات.  (إثنين من إخوته ترّهبا ونالوا سرّ الكهنوت)

ترك مشهد أمّه المنازعة تأثّرًا عميقًا في حياته، وصورةً لأمّ الأوجاع “مريم العذراء” تحت الصليب. فحمل في قلبه منذ الصغر، إكرامًا وحبًا فريديَن للعذراء مريم، إذ كان يصلّي دومًا أمام تمثال الأم الحزينة في منزله، ويقدّم لها الأزهار ويزور كنيستها مرارًا، ويتلو ورديتها كلّ يوم مع عائلته. كما أظهر تعبّدًا عميقًا لآلام الرّب يسوع.

دخل المدرسة في عمر السادسة، وعُرف بشخصيته المحبوبة وذكائه اللّامع وحبّه للدراسة، كما وبروح المرح والفكاهة. نال سرّ التثيبت في الثامنة من عمره، ومناولته الأولى في الثانية عشر، فكان قلبه يتحرّق شوقًا لتناول القربان للمرّة الأولى.

لم تكن طفولته ملائكيّة عجائيبّة، بل مرحةً ولا تخلو من النواقصَ والهفوات، كالعصبيّة والعصيان .. لكن أيضًا مليئةً بالطّيبة والحزم، وحبّ العطاء.
فكان على سبيل المثال يقول للمُربّية: “لا يجبُ أن نُخيّب الفقراء، نحن لا نعلم ما يُمكن أن نصير عليه يومًا ما”

في عمر الثالثة عشر، أُصيب فجأةً بمرضٍ خطير كالذي أَودى بحياة إخوته، حتّى لامس الموت. فوعد الرب بدخول الدير في حال أنعمَ عليه بنعمة الشفاء، فنال مَطلبه وشُفي.

لكنّ حبّه للعالم وأباطيله أخمدا في قلبه هذا الوعد، وراح يمارس هواية الصيد الى أقصى الحدود، حيث نجّاه الله والعذراء من حوادث مُميتةٍ عديدةٍ آنذاك ! وأيضًا أخذ يقرأ الكُتب والأشعار الرومانسيّة بإسراف، حتّى الإدمان، بالإضافة الى الفن المسرحيّ والرقص. مُغلقًا قلبه أمام الروح القدس ودعوته له، ليعترف مُتحسّرًا فيما بعد:
‘‘ أيُّ عمًى كنتُ فيه ! لم أعش إلّا مِن أجل الدّخان … إنّ الله- الكليّ القُدرة- كان يَنتظرني مُنذ زمنٍ بعيد، غير أنّي لم أعِره أيّ انتباه، بل بقيت تائهًا، أُهُينُه في العالم’’.

بعد ثلاث سنوات، أُصيب بالتهابٍ في الرّئتين، ومرّةً جديدة أشرف على الموت. فتوسّل نعمة الشفاء، واعدًا الربّ بدخول “الرهبنة اليسوعيّة” إن شفي… وبعد أن حَصلت الأعجوبة الثانية في اليوم التالي، نسي وعده مِن جديد. فتدخّل مُرشده برسالةٍ أثّرت به طيلة حياته، يقول له فيها:

” {…} ليكشف لكَ سلام يسوع المسيح الحقيقي عن بُطلان وخداع وهَباء خيرات هذا العالم؛ وليكشف لكَ أيضًا عن قيمة الخيرات الأبديّة … لا تنسى الدعوة التي تشغل بالك. هذا أمرٌ  يجب أن نتجاوب معه بالتأمّل والدموع التي نسكبها أمام الله… ضَع كلّ ثقتكَ بمريم وكلّ اتّكالكَ عليها، وانطلق من دون خوفٍ… فليدفعك هذا التأمّل الى احتقار الخطيئة، التي هي الشر الحقيقي للإنسان. فإنّ خطيئةً واحدةً كفيلةٌ في أن تَجعلِنا تُعساءَ الى الأبد. ولتُلهمك التأمّلات الروحية بالهروب مِن الكُتب والمُعاشرات السيّئة، بفَرارٍ ونُفورٍ أكبر ممّا لو رأيتَ الشّيطان  الشيطان وجهًا لوجه ! (…) كُن قديسًا”.

عام 1855 توفّيت أخته الكبرى التي كانت بمثابة أمٍّا أخرى له. وكانت أوّل ضحايا “الكوليرا” الذي فَتَك بمدينة “سبوليتو” الإيطاليّة… فترك هذا الألم فراغًا كبيرًا في حياته، توقّف على أثره كليًّا عن المسرح والروايات، ليعكف الى الخلوة والصَّلاة والتأمّل. 

في صيف 1856، أقام سكّان “سبوليتو” (المدينة التي ترعرع وكبُر فيها) مسيرةً بأيقونة بيزنطيّة عجائبيّة لوالدة الإله، طالبين منها التدخّل لتضع حدًّا لمرض “الكوليرا”.شفت العذراء بعد هذه التضرّعات، كل الذين بُليوا بهذا المرض. ولم تُسجَّل بعدها أي إصابة جديدة !
بعد ثمانية أيّام، تحديدًا يوم 22 آب (الذي صار لاحقًا “عيد قلب مريم الطاهر” في الكنيسة) شارك “فرنشيسكو” بالمسيرة الثانية التي أُقيمت لِشُكر العذراء، وعندما اقتربت الأيقونة نحوه، صرخ نحوها بقلبٍ حزينٍ متوجّعٍ: “أيّتها الأم الرّحومة” ! فدبّت الحياة في الأيقونة، ونظرت إليه العذراء وقالت له بصوتٍ داخليٍّ في قلبه:
“لماذا؟ ‘‘فرنشيسكو”، العالمُ ليس لكَ. ماذا تفعلُ في العالم؟ أسرِع وترهّب !’’

بعد هذه الحادثة صمّم دخول رهبنة “يسوع المتألم”، لكنّ أباه الذي كان يشك دائمًا بحقيقة دعوة الصبّي الطائش، حاول مرارًا تأجيله عن غيّه، وبعد العديد من الإمتحانات، برهن “فرنشيسكو” لأبيه عن حقيقة الدعوة الإلهيّة له. ودخل دير الإبتداء يوم 9 أيلول 1856، ولبس الثوب الرهباني بعد إثني عشر يومًا فقط، أي في 21 أيلول 1856 (عيد سيّدة الأوجاع –آنذاك) واتّخذ اسم “غابرياليه لسيّدة الأوجاع  -أو- للعذراء المتألّمة. Gabriele Dell’Addolorata

لم تتميّز حياة غابرياليه داخل الدير بظواهر قويّة، ولا بالعجائب الباهرة، كالقديسين العُظماء، بل بما هو أساس كلّ هذه الأمور: الفضائل الإلهيّة حتّى الكمال !

منذ بداية حياته الرهبانيّة، أظهر “غابرياليه” تَصميمًا زاخِمًا في العمل على تحسين ذاته، واكتساب الفضائل فقهر رذائله وشهواته. وقد شهد معلّمه الأب نوربرتو (الذي كان مرشده خلال كلّ مسيرته الرّهبانية حتّى وفاته) أنّه: “لم يكن ليؤخّره أيّ شيءٍ في مسيرته نحو الكمال … وإذا حُرِم مِن التعزيات الحسيّة، مَلأ واجباته بالحرارة ذاتها وبسخاء القلب نفسه، من دون أن يستسلم أبدًا لتهاونٍ إراديٍّ (…) سألت نفسي مرّاتٍ عديدة، إن كان هناك من فضيلةٍ واحدةٍ لم تتألّق فيه، أو إن كان بإمكانه أن يمارس هذه الفضائل بكمالٍ أكبر، وكنتُ دومًا مضطرًا على الإيجابة بالنّفي !(…) “

وهذا ما يؤكّده ملف طلب تقديسه الذي رُفِع الى الفاتيكان، أنّ كلّ مُمارسته للفضيلة كانت بطوليّةً بالفعل، حتى يوم وفاته.

لطالما شعر “غابرياليه” أنّه سيموت شابًا. وإنّ إتّحاده العميق بالله واضطرام محبّته له، جعلاه يطلب منه نعمة الموت بمرض السّل، حتّى يتمكّن من أن يرفع تنهّداتٍ حبٍّ له، حتّى النفس الأخير. كان الأب نوربرتو، يأمره بأن يزيد على صلاته: “إن كان ذلك لمجدك يا ربّ، ولخير نفسي.” 

نذر نذوره الرهبانيّة المؤقّتة في 22 أيلول 1857،  بعد أن أنهى مرحلة الإبتداء، وانتقل عام 1858 الى “موروفاليه” لدراسة الفلسفة تحضيرًا للكهنوت، وبعد سنة غادر الى “بييتيروفينا” من أجل دراسة اللاهوت.

في 25 أيار 1861 رُسم “مساعد شمّاس” Hypodiaconos ، (رسامة تقليديّة من درجات الكهنوت في الكنيسة الكاثوليكيّة، تسبق الرسامة الشماسيّة، لا تزال عند الكنيسة الأرثوذكسيّة) بعد أربع سنواتٍ من حياةٍ خدمةٍ ديريّة ودراسيّة مليئةٍ بالنشاط والقوّة، وبينما هو يحلم وينتظرُ بشوقٍ بأن يصير كاهنًا على مذبح الرّب، استجاب الرّب صلاته وأصيب بمرض السلّ في السنة الخامسة.

عندما طلب منه الاب نوربرتو أن يسأل الله نعمة الشفاء، قال له: 

“إسمح لي أن أطلبَ ميتةً صالحة، لأنّ أخطار إهانته في هذه الحياة كثيرة …”  تكبّد “غابرياليه” آلامًا شديدةً، غير أنها لم تستطع أن تُعكرّ صفو سلامه وفرحه، وأعلن في هذه المرحلة أنّ ألمه الوحيد كان انتظاره المُمِلّ (للموت) ! وعندما أُعلِم بضرورة مناولة القربان الأخيرة ونيله مسحة المرضى، إستنار وجهه بفرحٍ عجيبٍ، نصحه مُرشده بأن يعتدل بإظهاره. وما إن علِم بدنوّ ساعة الموت، حتّى “هبطت فجأةً حرارته المُرتفعة وبَقيت مُستقرّة لمدّة تسعة أيامٍ.

أعلن ذات مرّةً بشجاعةٍ قائلًا:
“أتريدون أن تعلموا ما هو شعوري؟ إنّني أؤكّد لكم أنّ الموت لا يخيفني البتّة، بل إنّ السرور الذي أشعر به عندما أفكر به، هو ما يقلقني لكونه قد يحتوي على بعضٍ من حبّ الذات.”

في عشية 26 شباط 1862، ألمّت به تجارب الشيطان الأخيرة، فصرخ على فراش الألم ثلاثةً: “جراحُكَ يا رب، هي استحقاقاتي”. 
في صباح اليوم التالي ضمّ على قلبه صورةً تمثّل المصلوب مع سلطانة الشهداء، وقبّلها وبلّلها بدموعه، مُتطلّعا الى العلى قائلًا: ” آه يا أمّي أسرعي”
يا يسوع ومريم ويوسف: إليكُم أسلّمُ قلبي – ساعِدوني في نزاعي الأخير – دعوني أطلقُ نفسي الأخير بسلامٍ معكم.”

ثمّ أسلم “غالبرياليه لسيّدة الأوجاع” الروح، في صباح 27 شباط 1862، عن عمرٍ الـ 24 سنة، بعد مرضه بالسلّ، وعلى وجهه ترتسمُ معالم الفرح والورع، مُحدّقًا نحو الأعالي، كأنّه يرى رؤيا سماوية… تمامًا كالقديسة تريزيا الطفل يسوع.
بعد وفاته بأعوامٍ قليلةٍ، انتشرت أخبار فضائله بسرعةٍ كبيرة في إيطاليا، وصارت الجموع تحتشد بالآلاف حول ضريحه في Isola Del Gran Sasso لأخذ البركة والصلاة وطلب النّعم. وحتّى الساعة، لا تزال تًسجّل عجائب وشفاءات لا تُحصى حول العالم بشفاعته.

أعلن البابا بيوس ال9 تطويبه في 31 أيار 1908، والبابا بنيدكتوس ال15 قداسته، يوم 13 أيار 1920، مع إعلان قداسة مارغريت ماري ألاكوك، فأي عنايةٍ إلهيّة هذه، أن يُعلن قديسًا مع رسولة القلب الأقدس، في عيد سيّدة فاطيما، التي في ذاك الظهور (13 أيار 1917) طلبت التكرّس لقلبها الطاهر، هي التي كلّمته يوم عيد قلبها؛ 22 آب 1856 ! هو الذي حمل اسم آلام قلبها، وعزّاه وتأمّل بفضائله ونِعمه، واتّحد به، ليتّحد بربّه يسوع وبآلامه الخلاصيّة ؟ عام 1926، أُعلن “غابرياليه” شفيع الشبيبة الكاثوليكيّة الإيطاليّة. 

                                                     جثمانه المحفوظ داخل ثمثال لهٍ

 


تعبّده للعذراء الفائقة القداسة

أذهل حبّه لمريم وتعبّده لها، معاصريه وأثّر بهم عميقًا. وكلّ وصفٍ لهذا الهُيام يَبقى غير كافٍ.

“كانت مريم جوهر حياة “غابرياليه” وهي مَنبع ومِثال القداسة التي بَلغها؛ حتّى إنّنا نستطيع أن نقول حقيقةً، أنّه نادرًا ما استطاع أيّ من القديسين، حتى الأعظم فيما بينهم، من مساواته في تعبّده لأمّ الله المجيدة، والكلية الاقتدار. فرفع الله هذا الشّاب المبارك، ليكون نموذجًا لجميع خدّام العذراء الكليّة القداسة، في المحبّة البَنويّة لها وإكرامها في الكنيسة.”
(الكاردينال باروككي في دعوة تطويبه الى البابا لاون الثالث عشر).

كما حمل حبًا فريدًا للقديسين الأكثر تعبّدًا للعذراء، وأظهر وَلعًا في قراءة كُتبهم التي تتناولُ عَظمتها، لا سيّما كتابيَ “أمجاد مريم البتول” (للقديس ألفونس ليغوري)، و”حبّ مريم” (Dom Robert, Camaldolese Hermit) خاصّةً هذا الأخير، الذي كان يقرأه ويغذّي روحه به يوميًا خلال سنواته الستّ من حياته.
 أصبح قلب غابرياليه أتون نارٍ يضطرم حبّاً بسلطانة السماء؛ فامتلكت مريم كلّ كيانه وتحوّل عقله بالكامل نحوها. حتّى أنّه لم يعد باستطاعته التكلّم أو التفكير أو العمل، من غير استحضارها في فكره. كان كل مرّةٍ يسمع بإسمها يكشف عن رأسه، وينحني ليحيّها. وعندما كانت الطاعة تمنعه في مرحلة الإبتداء عن التأمّل بها طوال الوقت، كان يقول لها، ونار المحبّة تحرقه: “أُتركيني أيّتها السيّدة، أُتركيني”

كان بمجرّد تلاوة “السلام الملائكي” مرّةً واحدةً أو مُجرّد فكرةٍ بسيطةٍ أو كلمةٍ عن مريم، تُشعل قلبه وتجعله يغوصُ في أعمق التأمّلات عَن عظمتها التي لا تُسبَر. وينسى أحيانًا حُضور إخوته بقربه، فيُتمتم : Maria Mia “يا مريمتي”، ويُضاءُ وَجهه بنورٍ سماويٍ.
كان هذا الإنعام السماوي يوجّه فكره وكلّ كيانه، نحو غاية مريم الأولى والأخيرة: الإتّحاد بالله؛  كان يرى الله في مريم، ومريم في الله !
وبعد الله، كانت مريم خير نفسه الأعظم، لذّته ورجاءه. فاكتست فضائله رونقًا سماويًا إضافيًا بفضل هذا التكرّس.

وفي مرضه الأخير، حينما مَنعه الألم عن التحدّث وعن الإصغاء حتّى، كان ذكر “مريم” يُسكّن أوجاعه، فيُصغي بكلّ انتباهٍ، ويأبى إلّا أن يشارك في الحديث.

في التجارب والإضطرابات، كان يسلّم نفسه بين يديها، وبمعونتها الرحومة كان ينتصر دائمًا على جميع أعدائه الروحيّين.
 توسّل مِن معلّمه، أكثر من مرّةٍ، أن يسمح له أن يكتب اسم “مريم” على صَدره بالحديد المُحمّى بالنار، أو أن يحفره بالسكين على جِلده، ولم ينل الموافقة.
كان يغتبطُ فرحًا، كلّ مرّةٍ سمع عن إكرامٍ فائقٍ للعذراء، أو عن أيّ نعمةٍ أعطتها بشفاعتها، ويحزنُ بشدّةٍ إن أُهمِل إكرامها ونُسيَت أو أُهينَت… فكتب “قانون إيمانٍ مريميٍّ” جامعًا فيه تعاليم أعظم ملافنة ولاهوتيّ الكنيسة عن “مريم”

 

تعبّده لقلب مريم المتألم الطاهر؛
كما أظهر الرّب يسوع عِظم مَحبّته بالآلام والفداء، كذلك الأمر عند “غابرياليه” – فالعذراء بآلامها الشديدة مع آلام وموت ابنها، أظهرت لنا عِظم مَحبّتها لنا. فكان ذكر وإكرام آلام أمّ الفادي، هاجسه الأكبر وشغف قلبه الأعظم !
سأله الأب نوربرتو في عشيّة سبتٍ، إن كان قد تأمّل في السماء (موضوع تأمّل الرّهبنة كل سبت) ، أجابه: “كلّا ! سمائي هو في قلب أمّي الحبيبة، المتألّم.” 
فهِم منذ بداية حياته الروحيّة، كيف أن آلام الرّب يسوع مُنطبعة بأكملها في قلب الأم الوجيعة. فأخذ من ذلك القلب مَسكنًا له، مُتّحدًا فيه بحرارةٍ مع آلام الفادي الإلهي، وباكٍ عليها.
لقد فهم “غابرياليه” آلام قلب يسوع، مِن المنظار الأفضل: قلب مريم الطاهر. القلب الأغلى على قلب يسوع، والأكثر شبهًا به بين كلّ قلوب البشر. إنّه فيه ومنه، ومعه، تعلّم البكاء على الإهانات العظيمة التي تعرّض لها ابن الله، منذ لحظة تجسّده حتّى موت الصليب.

 

كتاباته:

لم يترك القديس “غابراليه” كثيرُ من الكتابات سوى بعض خواطره الروحيّة في 26 رسالةٍ راسل بها عائلته خلال السنوات الست من حياته الرهبانيّة، و40 التزامًا في عيش القانون والفضائل الرهبانيّة، تبقى درسًا لكل من أراد اتّباع طريقه نحو الكمال والقداسة، في مدرسة الحبّ الإلهي والأمانة والبساطة الإنجيليّة. هذا وكان قد كتب كتابًا عن النّعم التي أغدقها كلّ من الله والعذراء مريم عليه، لكنّه طَلب من مرشده أن يتلفه قبل وفاته، كي لا يُوقعه في تجربة كبرياء. فكانت خسارةً كبيرةً لنا !

إليكم بعضها:

——————————-

-غالبًا ما يُلهمنا الله أن نُميت ذواتنا عن أمرٍ معيّن بسيطٍ أو عن غيره، يعيق نموّنا في القداسة.إن لم نتجاوب مع هذا الإلهام، فإنّنا لن ننجح في صلاتنا أيضًا. 

-إذا أرسل الله إليكَ عائقًا ما أو صعوبةٍ، حريٌّ عليك أن تبتهج من أن تحزن. لأنّ الإضطرابات غالباً ما تكون علامات أنّ اختيار الله لك … لتكن مشيئة يسوع ومريم الكليّة القداسة، يومًا ما ستجني ثمار كلّ شيء.

– إذا كان الله قد صنع الكثير من أجلي، كإعطائي ابنه الوحيد، فما عسايَ لا أترجّاه منه أيضًا؟
إن كان يسوع المسيح قد صار بشرًا ومات على الصليب من أجلي، فكيف أخاف ألّا يصنع إلّي الباقي؟ لو كان أمرُ خلاصنا بين أيدينا، لكان لنا السبب الكافي لنَجزع. غير أنّه بين يديَ الله، بين يديَن صالحتَين. لنِثق بالله إذًاً ونضع رجاءنا فيه.”

“سأتجنّب كلّ خطأٍ إراديٍّ. وإن ارتكبتُ واحِدًا للأسف، لَن أيأسَ أبدًا، ولكنّي سأستأنفُ طريق القداسة،  بِحرارةٍ أكبر بعد أن أندم عليه.”

-آهٍ على المذّات التي نتذوّقها في ساعةِ تأمّلٍ واحدة في حضور يسوع – القربان، ومريم أمّه الكليّة القداسة.

-الذي يدخلُ الحياة المكرّسة “يختار النصيب الأفضل” (لو 10 :42)، يدخل الى المرفأ، ينجو من العاصفة، يتجنّب العديد من فخاخ الشيطان، والكراسي (يقصد المجد والمناصب) والعالم، والكثير من الأمور الأخرى.سعيدٌ هو الذي يُدعى الى هكذا التكرّس، ويُلبّي فورًا هذه الدعوة. 

 وأنتَ ! لا تفعل كما فعلتُ، أنا الذي ناداه الرّب، وتأخرّت عن التجاوب مع دعوته مُتجاهلًا؛ ولكن إذا سمعتَ صوته أنت، فلا تتردّد لحظةً في الإستجابة. لا يخدعنك إبليس الذي يوَشوش لك: “عليكَ أن تفكّر أوّلًا…” ، لا ! لا تستمع إليه، بل امضِ فورًا واتبع يسوع. ألم يكن من المحتمل ألّا أكون حيث أنا اليوم، لو تأخرّت أكثر  بقليلٍ عن الرّد على نداء الله.(من رسالته الى أخيه، ك1 1857)

-لتكُن آلام ربّنا يسوع المسيح في قلوبِكم على الدوام. إنّ آلامه وآلام مريم هي كنوز المسيحي الحقيقي التي لا تنضُب.

– إذا أردتم أن تتعرّفوا على مريم وتتعلّقوا بها من خلال مَحبّتها، وإن كان لديكم هاجس خلاص نفوسكم، إقرأوا كتاب “أمجاد مريم” فتتعرّفوا على هذه الأمّ الكليّة الرحمة !

-كيف لتلك التي تُسمّى بالحقّ “أمّ الرحمة”، ألّا تلتفت إلينا بنظرات رَحمتها ؟!

-إنّ أمّ الأوجاع هذه، تعرف تمامًا آلام المخاض التي ولدتنا بها تحت الصليب، ففضّلت قبول موت ابنها الحبيب، على مشاهدتها لهلاك نفوسنا الأبدي ! حتى في وقت التجارب والأخطار والخوف من الهلاك، قد ترفَع نفسنا إذا ردّدنا: إذا كانت مريم معي فمن عليّ ؟

-يا أمّ الأحزان، يا من أُخذ ابنك الحبيب منكِ، لا تسمحي بأن أؤخذ منكِ. بالرغم من عدم استحقاقي، أظلّ دائمًا ابنكِ.

-” أحبوا مريم !…. فهي محبوبة، وأمينة وثابتة. إنّ محبتها لا تفرغ البتة بل تبقى سامية أبدا. إن إن كنت في خطر، تُسرع الى نجدتك وإن كنت في ضيق ستعزّيك. إن صابك أيّ مرضٍ فهي تشفيك، وإن كنت في عوزٍ، جاءت لمساعدتك. هي لا تحكم على ما كنت عليه، بل تأتي ببساطة الى القلبِ الذي يطلبُ حبّها. تحضرُ سريعاً فاتحةً لك قلبها الرحيم مُعانقةً إياك وتعزّيك وتخدمك. وهي التي سترافقك في سفرك نحو الأبدية.

-إنّ مريم هي السلّم الوحيد الذي يتيح لنا الصعود نحو السعادة الأبديّة.

إنّي تحت قدميكَ يا رب 
(صلاة كتبها خلال سنة الإبتداء)

إعداد وتحضير وترجمة 
صفحة 
قلب مريم المتألم الطاهر
(تابعونا يوميًا على موقع فسيبوك)





Comments are closed.