Let’s travel together.

شرح نشيد مريم (لو 1: 46-50)

2٬370
شرح نشيد مريم “تعظّم نفسي الرّب” (لو 1: 46-50)
فمن وضع نفسه فهو الاعظم في ملكوت السموات. (مت 18:4)
من يَرفع نفسه يتّضع ومن يَضع نفسه يرتفع (مت 23: 12)

 10629798_683239728437660_4394263430342118815_nإنجيل لو 1: 

46 فقالت مريم: «تعظّم نفسي الرب 

47وتبتهجُ روحي بالله مُخلّصي

 48 لأنّه نَظر الى اتّضاع أمَته. فهوذا منذُ الآن جميع الأجيال تطوّبني

 49 لأنّ القدير صَنع بيَ عظائم واسمُه قدّوس

 50 ورَحمته إلى جيلٍ وجيل للّذين يتّقونه.

 51 صَنع قوّةً بذراعه. شتّت المُستكبرين بِفكر قلوبهم. 

52 أنزل المقتدرين عن الكراسي ورَفع المُتّضعين.

 53 أشبع الجياع خيرات وصَرف الأغنياء فارغين.

 54 عَضد إسرائيل فتاه، ليذكر رحمته

 55 كما كلّم آباءنا. لإبراهيم ونسله إلى الأبد».

“تُعظِّم نفسي الرب وتبتهج روحي بالله مخلِّصي”، فإنَّ النفس والروح يشتركان في التعظيم.]
لقد أساءت حوّاء إلى خالقها حين شوَّهت روحها بالعصيان، وأفسَدت خليقة الله الصّالحة، فلم تَعد حياتها تمجّد الخالق ولا أعماقها تُعلِن عَن بهائه. وقد جاءت القدّيسة مريم تحمِلُ كلمة الله في أحشائها، يردّ لنفسها جمالها الأول، وتصير روحها مُبتهجة بكونها صورة الله ومِثاله.
يقول العلامة أوريجينوس: [يحدّث تساؤل: كيف تعظِّم نفسي الرب؟ حقًا إن كان الرب لا يقبل الزيادة ولا النقصان إنّما بلا تغيير، فإلى أيّ مدى يُمكن لمريم أن تقول هذا ؟
كلّما كبرت صورة المسيح فيَّ وصارت بهيّة بأعمالي وأفكاري وأقوالي، تكون قد كَبُرت صورة الرّب وتمجّد… وكما أنّ صورة الرب تزداد بهاءً فينا، فإنَّنا إذ نُخطئ تصغر الصورة وتبهُت…]أمّا قول العذراء “تبتهج روحي بالله مخلِّصي” فيحمل مَفهومًا لاهوتيًا هامًا أنّ القدّيسة مريم مع سموِّها العظيم لا تزل مُخلَّصة بدم يسوع:
هو الذي عفاها مِن الخطيئة الأصلية، أي إنّ الخلاص الذي نِلناه بعد موت يسوع على الصليب، نالته مريم دون سواها قبل موت وقيامة الرّب ! (حسبما تعلّم الكنيسة الكاثوليكيّة)لقد أدركت القدّيسة مريم سّر تمتُّعها بالنّعمة الإلهيّة، إذ قالت: “نظر إلى تواضع أمته”. لم تقل أن الله نظر إلى صلواتها أو أصوامها أو سهرها أو حكمتها، لكنّه “نظر إلى تواضع أَمَتِه”. لقد عرفت الطريق الذي به تنطلق إلى مراحم الله وتغتصب عطاياه وهو “التواضع”.
فإن كانَ عدوّ الخير “إبليس؛ الملاك الساقط من السماء” قد فَقدَ مركزه خلال الكبرياء، فقد جعل الكبرياء فخًا يقتنصُ به كلّ بشرٍ إلى ملكوت ظُلمته، حارِمًا إيَّاه مِن خالقه مَصدر حياته وعلَّة بَهجته.

“فهوذا مُنذ الآن جميع الأجيال تطوِّبني، لأنّ القدير صَنع بي عظائم واسمه قدِّوس، ورحمته إلى جيل الأجيال للذين يتَّقونه” [لو 1: 48-50].

لقد أدركت القدّيسة مريم عظمة العَطيّة التي نالتها إذ تمتَّعت بواهِب العطايا نفسه، تحمِله في أحشائها، لذا جميع الأجيال (جميع المؤمنين عبر العصور) يطوِّبونها من أجل عمل الله معها. وها هي الكنيسة قد امتلأت ليتورجياَّتها بتطويبها، مُعلنه عمل الله فيها ومعها بتجسُّد الكلمة مخلِّص العالم.

إنّنا نطوِّبها عبر العصور، لا كعذراءٍ عاشت ثم ماتت، وإنما كعذراء تجلّى في حياتها عمل الله الخلاصي الفائق. فكلّ مؤمن يتطلَّع إليها يرى فيها نعمة الله الفائِقة التي وُهبت للبشريّة. إن كانت العذراء قد تَمتَّعت بأمومةٍ للسيِّد المسيح إذ حَمِلته مُتجسِّدا في أحشائها كما حَملته بالإيمان في قلبها الطاهر (كما يقول القديس أغسطينوس) ، فإنَّ النفس التي تتمتَّع بالشركة مع الله تنعم أيضًا بنوع من الأمومة، لذلك يقول الأب ميثودوسيوس:
[الكنيسة في حالة تمخُّض (ألم) إلى أن يتشكَّل المسيح ويولد داخِلنا. فكل قدّيس يتمتَّع بشركة مع المسيح كأنّما يولد المسيح فيه من جديد !]

ويقول القدّيس أمبروسيوس: [أحرص أن تتمِّم مشيئة الآب لكي تكون أُمًا للمسيح (مر 3: 35).]

يعلِّق القدّيس كيرلس الكبير “معلمّ الكنيسة” على بقيّة تسبحة العذراء، قائلاً:

[صنع قوّة بذراعه، شتَّت المستكبرين بفكر قلوبهم” [51]:

[تشير مريم “بالذراع” إلى الرب يسوع المسيح الذي ولدَته، “وبالمُستكبرين” إلى إبليس وجنوده الذين أغواهم الكبرياء فسقطوا في حضيض الذُلّ والمسكَنة، بل وتشير مريم أيضًا بالمستكبرين إلى حكماء الإغريق الذين أبَوا أن يَقبلوا جهالة المسيحيّة كما اِدَّعوا، وإلى جُمهور اليهود الذين لم يُؤمنوا بيسوع المسيح فتفرَّقوا في أطراف الأرض.

أنزل المسيح الأعزَّاء عن الكراسي، فقد تَضعضَع سُلطان إبليس وجنوده فلم يعودوا يَملكون العالم بأن يحفظوا في أَسرِهم جُمهور الجنس البشري. وسَقط الكتبة والفرِّيسيُّون اليهود مِن مَجدهم العالي، لأنّهم تكبَّروا عَن قبول السيِّد المسيح.

“أنزل الأعزاء عن الكراسي، ورفع المتَّضعين” [52].

غرق جنود إبليس في بحر العظمة الفارغة والخيلاء الكاذبة، فأذلَّهم الله ورفع عليهم قومًا اِتَّضعت قلوبهم وخَلُصت ضمائرهم، فقد أُعطوا “سلطانًا ليدوسوا الحيَّات والعقارب وكل قوّة العدوّ ولا يضرُّهم شيء” (لو 10: 19)
وهكذا مريم أمّ يسوع، وبشكلٍ أكملٍ وأقوى: لها كلّ سلطان بتواضعها لتسحق قوّة العدو.


قالت مريم: “في النهاية قلبي سينتصر” (فاطيما 1917)


فإنّنا نصلّي بشوقٍ وانتظارٍ، كي نشهد على ذلك اليوم المجيد، 
انتصار قلب مريم الطاهر في القريب العاجل !

آمين

† ♥

تابعونا على الفيسبوك: 
قلب مريم المتألم الطاهر
final

 

Comments are closed.