Let’s travel together.

يسوع والمرأة الكنعانيّة

675

إنجيل القدّيس متّى .28-21:15

إنْصَرَفَ يَسُوعُ إِلى نَواحِي صُورَ وصَيْدا،
وإِذَا بِٱمْرَأَةٍ كَنْعَانِيَّةٍ مِنْ تِلْكَ النَّواحي خَرَجَتْ تَصْرُخُ وتَقُول: «إِرْحَمْني، يَا رَبّ، يَا ٱبْنَ دَاوُد! إِنَّ ٱبْنَتِي بِهَا شَيْطَانٌ يُعَذِِّبُهَا جِدًّا».
فَلَمْ يُجِبْهَا بِكَلِمَة. ودَنَا تَلامِيذُهُ فَأَخَذُوا يَتَوَسَّلُونَ إِلَيْهِ قَائِلين: «إِصْرِفْهَا، فَإِنَّهَا تَصْرُخُ في إِثْرِنَا!».
فَأَجَابَ وقَال: «لَمْ أُرْسَلْ إِلاَّ إِلى الخِرَافِ الضَّالَّةِ مِنْ بَيْتِ إِسْرَائِيل».
أَمَّا هِيَ فَأَتَتْ وسَجَدَتْ لَهُ وقَالَتْ: «سَاعِدْنِي، يَا رَبّ!».
فَأَجَابَ وقَال: «لا يَحْسُنُ أَنْ يُؤْخَذَ خُبْزُ البَنِين، ويُلْقَى إِلى جِرَاءِ الكِلاب!».
فقَالَتْ: «نَعَم، يَا رَبّ! وجِرَاءُ الكِلابِ أَيْضًا تَأْكُلُ مِنَ الفُتَاتِ المُتَسَاقِطِ عَنْ مَائِدَةِ أَرْبَابِهَا».
حِينَئِذٍ أَجَابَ يَسُوعُ وقَالَ لَهَا: «أيَّتُهَا ٱلمَرْأَة، عَظِيْمٌ إِيْمَانُكِ! فَلْيَكُنْ لَكِ كَمَا تُريدِين». وَمِنْ تِلْكَ السَّاعَةِ شُفِيَتِ ابنتها
10349134_684952604933039_1593413976639749397_n
I- هكذا تصرّفت المرأة ! 
-قوّة إيمان لم تتواجد في إسرائيل-
لقد حُرمت زمانها كلّه من سماع كلمة الله، ولم تتسلّم الناموس ولا ظهر في وسطها أنبياء بل عاشت حياتها في عِبادة الأوثان، لكنها بالسماع عرفت القليل عن المسيّا “ابن داود”، فخَرجت من حدود مدينتها (وِكْرٍها) كما مِن كُفرها وعِبادتها الوثنيّة، لِتَلتقي به. رفَضَه الّذين لديهم قوائم الأنساب وبين أيديهم الرّموز والنبوّات تحدِّد شخصه (الإسرائليون) ، وجاءت إليه غريبةُ الجنس، لا لتدخل في مُناقشات غبيّة ومجادلات، إنّما لتغتصب حبّه الإلهي ومراحمه، لينقذ ابنتها المجنونة جدًا، لقد قبِلته مخلّصًا لها، إذ شعرت بالحاجة إليه لأن نفسها كابنةٍ لها مجنونة جدًا، فقدت تعقلها وحكمتها!
كما يقول القديس أغسطينوس: [لأنّه لم يذهب بنفسه للأُمم، بل أرسل تلاميذه، فيتحقّق ما قاله النبي: “شعبٌ لم أعرِفه يتعبّد لي” (مز 18: 43). أُنظر كيف أوضحت النّبوّة الأمر كيفَ تحقّق؟! تحدّثت بوضوح: “شعب لم أعرفه”؛ كيف؟ يكمّل قائلاً: “مِن سماع الأذن يسمعون لي” (مز 18: 44)، أي يؤمنون لا خِلال النظر بل خلال السمع، لهذا نال الأُمم مديحًا عظيمًا. فإن (اليهود) رأوه فقتلوه، الأمم سمِعوا عنه وآمنوا به.]

 

II -لماذا لَم يجب يسوع بكلمة ؟!

كان صمتُ السيّد إلى حين، يُثير التّلاميذ لكي يَتقدّموا مِن أجلها. لقد أراد أن يَكشف لهم رِسالتهم: أن يهتمّوا بالعالم الوثني المُتألّم والفاقد وعيه الروحي وخلاصه.

كان صامتًا في الخارج، لكنّ يده غير المنظورة تَسند قلبها وإيمانها، وعيناه تترقّبان بفرحٍ تواضعها الفائق. لقد أراد بِصَمته لا أن يتجاهلها، وإنما بالأحرى يزكّيها (يَمدحها) أمام الجميع.
يقول القدّيس أغسطينوس: [إذا كانت تشغف على الحصول على الرحمة صرخت وبجسارة قرعت، فظهر كأنه لم يسمعها. لم ترفضها الرحمة إلى النهاية، إنّما ما حدث كان لكي يُلهب رغبتها ويُظهر تواضعها. صرخت وكأن المسيح لا يسمعها، مع أنه كان يدبّر الأمر بهدوء.] كما يقول: [كانت دائمة الصّراخ، داومت على القرع، وكأنّها سبق فسمعت قوله: “اسألوا تعطوا، اطلبوا تجدوا، اقرعوا يفتح لكم” (مت 7: 7).]

لقد صمت المسيح في البداية لأنّه كان يعلم إيمانها العظيم ! فأراد أن يظهره أمام الجميع !

 

III- لم أُرسَل إلّا إلى خراف بيت إسرائيل الضّالة” [23-24].

 

كيف لم يُرسَل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة، وهو القائل لنيقوديموس “هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلِك كل مَن يُؤمن بِه، بل تكونُ لَه الحياة الأبديّة” (يو3: 16) ؟ بل وسَبَق فشهد الأنبياء في العهد القديم عَن مجيء المسيّا للعالم كلّه، اليهود والأمم معًا؟

يُجيب القدّيس أغسطينوس: [إنّنا نفهم مِن هذا أنّه لاقَ به أن يُعلن عن حضوره بالجسد ومِيلاده، وعمل مُعجزاته وقوّة قِيامته وَسط هذا الشعب، فإنّه هكذا قد دبّر الأمرَ مُنذ البداية. ما سَبَق وبُشِّر به .. قد تحقّق بِمجيء المسيح يسوع لأمّة اليهود كي يُقتل، لكنّه يَربح منهم الذين سبق فعرفهم، فإنّه لم يدن الشعب كلّه، إنّما فحَصهم فوَجد بينهم تِبنًا كثيرًا، ووَجد أيضًا حِنطة مُختفية. مِنهم ما هو يُحرَق، ومِنهم ما يملأ المَخازن.
خراف بيت إسرائيل الضّالة: هُم المخلّصون الذين لم يعرفوا يسوع مِن قبل لكنهم متى جاء قَبِلوه.
أمّا الذين رَفضوه؛ (رَفضوا الإيمان به)، فقد سَبَق وعَرَفهم فلم يأتِ من أجلهم، إذ حَكموا على أنفسهم بالهلاك؛ بأن يكونوا الجزء المُعَدّ للنّيران التي لا تَطفأ : 


وَهذِهِ هِيَ الدَّيْنُونَةُ: إِنَّ النُّورَ قَدْ جَاءَ إِلَى الْعَالَمِ، وَأَحَبَّ النَّاسُ الظُّلْمَةَ أَكْثَرَ مِنَ النُّورِ، لأَنَّ أَعْمَالَهُمْ كَانَتْ شِرِّيرَةً (يو 3:19)
IV- “ليس حسنًا أن يؤخذ خبز البنين ويُطرح للكلاب” لماذا نَطق الرب بهذه الكلمات؟
هل كان يحتقرُ الأُمَم فيَدعوهُم كلابًا ؟! بلا شكّ لا يَحتَقِر السيِّد خليقته، ولكنّه ربّما قال هذا مردِّدًا ما كان يردِّده اليهود لكي يمجِّد مَن ظنَّهم اليهود كِلابًا، مُعلنًا كيف صارت “هذه الكلاب”  أعظمَ إيمانًا مِن البنين أنفسهم !! 
هذا ومِن ناحية أخرى، فإنّ الأمم بإنكارهم الإيمان بالله، وصُنعهم الشّرور الكثيرة حتّى أجاز الكثيرون أطفالهم في النار، وقدّموا بنيهم ذبائح للأصنام، فَعلوا ما لا تفعله الكائنات غير العاقلة. إنّه لا يقصِد تمييز اليهود عَن الأمم، إنّما يكشِف عن فِعل الخطيئة فينا، كما كشَف عَن أعماق قلب المرأة الكِنعانيّة الّتي سَبَقت بتواضعها العجيب أبناء الملكوت.
إن نتائج الخطيئة تصيّرنا ك”الكلاب” لا نقدّرُ العطايا السماوية ولا المُقدّسات “خبز البنين” الذي يرمزُ أيضًا الى “القربان المقدّس” !!
فيسوع يؤكّد هذه الآية، في آيةٍ أُخرى:
لا تُعطوا مُقدّساتكِم للكِلاب ولا تَطرحوا دُرركم قدّام الخنازير، لئلّا تَدوسها بِأرجُلها وتَلتَفِت فتُمزّقكم.
(متى 6:7)
 
فأسرار ملكوت الله لا تُقدّم إلاّ لِمن يُقيمونها حقّ قِيمتها ويَتقبلونها بخشوعٍ وورعٍ.
الكِلاب=يشيروا لمُقاومي الحقّ، لأنّها تهجُم على الشيء لتُمزّقه.
والخنازير= هي لا تُهاجم لتُمزّق بأسنانها لكنّها تُدنس الشيء إذ تدوسه بأقدامِها. فهي تجهَلُ قدسيّته.
فالخنازير الحيوانات الأكثر دنسًا (قذارة) لدى اليهود، رمزٌ الخطأة المُدَّنسين بالخطايا دون أي اغتسال (توبة)، تدوسُ “القربان المقدّس” إذ تتقدّم للمناولة دون اعتراف.
فعلينا أن نعرِف ماذا نُقدّم ولِمن نُقدّمه، كما يفعل المعلّم يسوع بنفسه.
V- جواب المرأة = تواضع + إيمانٌ قويّ + صِدق
 -هذا ما أراد أن يشكفه يسوع بصمته وبكلامته اللّاذعة-
“نعم يا سيّد، والكِلاب أيضًا تأكلُ مِن الفُتات الذي يَسقُط مِن مائدة أربابها” [27].يقول القدّيس أغسطينوس: [أنّها لَم تَثُر ولا غضبت، لأجل دَعوتها ككلبٍ عندما طلبت البركة وسألت الرحمة، بل قالت:
“نعم يا سيّد”. لقد دعوتني كلبًا، وبالحق أنا هكذا، فإنّني أعرف لقَبي! إنّك تنطق بالحقّ، لكن ينبغي ألّا أُحرم من البركة بسبب هذا… فإن الكلاب أيضًا تأكل من الفُتات الساقط من مائدة أربابها. ما أرغبه هو البركة بقدرٍ معتدل، فإنّني لا أزحمُ المائدة، إنّما أبحث فقط عن الفُتات. أنظروا أيّها الإخوة عظمة التواضع الذي أمامنا!… إذ عرفت نفسها، قال الرب في الحال: “يا امرأة عظيم إيمانك، ليكن كما تريدين” [28]. لقد قلتِ عن نفسكِ إنّكِ “كلبًا”، لكنّني أعرفك أنّكِ “إنسان”… لقد سألتي وطلبتي وقرعتي، فيُعطَى لكِ وتجدين ويُفتح لك. هكذا صارت المرأة الكنعانيّة مِثالاً أو رمزًا للكنيسة (الأبناء) ؟! لقد قَدَّمَت أمَامنا عَطيَّة التّواضع بدرجةٍ فائقة] ما حُرم مِنه اليهود “أصحاب الوعود” بِسبب كبريائهم نالته الأُمم المحرومة مِن المعرفة بواسطة التواضع. الذين ظنّوا في أنفسهم أبناءً، حَرمُوا أنفسهم مِن مائدة المَلكوت خلال جُحودهم، والّذين كانوا في شرّهم ودَنسهم كالكلاب، صاروا بالحقّ أبناءً يَدخلون وليمة أبيهم السماوي.
لقد حقّقت هذه المرأة الخارجة مِن تخوم صور ما سَبق فأعلنه النّبي عنها: “بنت صور أغنى الشعوب تترضَّى وجهك بهديّة” (مز 45: 12). أيّة هدية تقدّمها بيت صور هذه إلا إعلان إيمانها الفائق خلال صمت السيّد، وتظاهره بعدمِ العَطاء في البداية. لقد وَهبها الفُرصة لتَقديم أعظمَ هديّة يَشتهيها الرّب، إذ يقول “يا امرأة عظيمٌ إيمانك، ليكن لكِ كما تُريدين” [28]. لقد فتحت بهذه الهديّة كنوز السيّد، لتنال كل ما تريد، بينما أغلق قادة اليهود أبواب مَراحم الله أمام أنفسهم. قبِل هديّتها القلبيّة الفائقة، وردّ لها الهديّة بما هو أعظم، إذ مدَحها أمام الجميع، فاتحًا أبواب محبّته أمامها، مُقيمًا إيّاها رمزًا لكنيسة الأمم التي اغتصبت الرب نفسه بالإيمان.
وَمِنْ ذلِكَ الْوَقْتِ يُبَشَّرُ بِمَلَكُوتِ اللهِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ يَغْتَصِبُ نَفْسَهُ إِلَيْهِ
لو 16:16 

† ♥

تابعونا على الفيسبوك: 
قلب مريم المتألم الطاهر
10509613_656184954476471_197786145256822204_n

Comments are closed.