Let’s travel together.

إنجيل التجلّي الإلهي – حسب القديسين-

1٬411

إنجيل القدّيس مرقس .7-1:9

قالَ الربُّ يَسوعُ: «أَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُم: إِنَّ بَعْضًا مِنَ القَائِمِينَ هُنا لَنْ يَذُوقُوا المَوْت، حَتَّى يَرَوا مَلَكُوتَ اللهِ وقَدْ أَتَى بِقُوَّة».
وبَعْدَ سِتَّةِ أَيَّامٍ أَخَذَ يَسُوعُ بُطْرُسَ ويَعْقُوبَ ويُوحَنَّا، وصَعِدَ بِهِم وَحْدَهُم إِلى جَبَلٍ عالٍ عَلى ٱنْفِرَاد، وتَجَلَّى أَمَامَهُم.
وصَارَتْ ثِيَابُهُ بَيْضَاءَ نَاصِعَة، حَتَّى لَيَعْجُزُ أَيُّ قَصَّارٍ عَلى الأَرْضِ أَنْ يُبَيِّضَ مِثْلَها.
وتَرَاءَى لَهُم إِيلِيَّا مَعَ مُوسَى، وكَانَا يَتَكَلَّمَانِ مَعَ يَسُوع.
فقَالَ بُطْرُسُ لِيَسُوع: «رَابِّي، حَسَنٌ لَنَا أَنْ نَكُونَ هُنَا! فَلْنَنْصِبْ ثلاثَ مَظَالّ، لَكَ واحِدَة، وَلِمُوسَى واحِدَة، ولإِيلِيَّا واحِدَة».
ولَمْ يَكُنْ يَدْري مَا يَقُول، لأَنَّ الخَوْفَ ٱعْتَرَاهُم.
وظَهَرَتْ غمَامَةٌ تُظَلِّلُهُم، وجَاءَ صَوْتٌ مِنَ الغَمَامَةِ يَقُول: «هذَا هُوَ ٱبْنِي الحَبِيب، فلَهُ ٱسْمَعُوا!


10556254_672709376157362_2764630074003731772_n

أوّلاً: الوعد برؤية ملكوت الله

 الحق أقول لكم أنّ مِن القِيام ههنا قومًا لا يذوقون الموت حتى يروا ملكوت الله قد أتى بقوة” [1].

جاء هذا الوعد كتتمّة لحديث السيد المسيح عن حَمل الصّليب واهتمام الإنسان بخلاص نفسه والتّمتع بمجد ملكوت الله عند مجيء ابن الإنسان. الآن يتساءل البعض: كيف تحقق هذا الوعد؟ هل وُجد مِن معاصري السّيد المسيح من لم يذق الموت حتى يرى ملكوت الله آتيًا بقوّة ؟

أولاً: يرى البعض أنّ هذا الوعد قد تحقق بتمتّع ثلاثة مِن التلاميذ بتجلّي السيد المسيح، خاصّة وأن الحديث عن التجلي جاءَ بعد الوعد مباشرة. فالتّجلي في حقيقته تمتّعٌ بِمجد السّيد المسيح وبهائه الإلهي بالقدر الذي احتمل التلاميذ رؤيته.
يقول القديس أمبروسيوس: [عاين بطرس ويوحنا ويعقوب مجد القيامة فلم يعرفوا الموت.]


ثانيًا: يرى البعض أن "ملكوت الله"الذي أتى بقوة، إنّما الكرازة بالإنجيل وَسط الأمم، فقد دُعِيت كنيسة العهد الجديد "ملكوت الله".

وقد شاهد بعض التلاميذ هذا المجد العظيم وهم بعد في الجسد، إذ تمتّعوا بيوم الخمسين حين حّل الروح القدس في العلّية، ونظروا الهيكل القديم قد تحطم بينما انطلقت الكرازة إلى كثير من عَواصِم العالم الوَثني. رأوا ملكوت الله مُعلَنًا في حياة الناس ضدّ مجد العالم الزائل.


ثالثًا: يرى آخرون أنّ هذا الوعد الإلهي قائمٌ على الدوام، يتمتع به المؤمنون في كل جيل، حين تدخل نفوسهم إلى بهاء مجد الله الداخلي، ويُعلن الملكوت فيهم دون أن يذوقوا موت الخطية أو يغلبهم إبليس (الموت).

يقدم لنا القديس أمبروسيوس  حين يعلن أنّ الإنسان في ضعفه يحتاج لا أن يتمتع بوعدٍ أبدي فحسب وإنّما يذوق عُربون هذا الوعد هنا في الحياة الحاضرة. فما وعَد به السّيد هنا إنّما يقدّمه لكلّ إنسان يكونُ قائمًا معه، أي يتمتّع بحضرة الرّب والشّركة معه، فلا يذوق موت الرّوح، بل ينعم بقوّة الملكوت الإلهي في حياته الحاضرة هنا كعربون للملكوت الأبدي، فمن كلماته:

[بينما يرتفع الرب بالروح يشير إليها بمكافأة الفضيلة، وبينما يلوح لنا عن الفائدة التي نجنيها من احتقار أمور هذا العالم يؤازر ضعفنا البشري بتقديم مكافأة حتى في هذه الحياة.

بالتأكيد شاقٌ عليكَ جدًا أن تحمل الصليب، وتعرّض حياتك للأخطار، وجسدك للموت، وتتخلّى عن ذاتك، لتنال ما لا تملكه هنا. صعبٌ على البشر أن يعيشوا على الرجاء وحده، فيتعرّضوا للمخاطر من أجل التّطلع إلى بركات الحياة المقبلة، متخلّين عن الخيرات الحاضرة، لذلك إذ لم يشأ الرب الحنون الطيّب أن يسقط أحد تحت نير اليأس أو القلق… يسند الضعف بالخيرات الحاضرة، ويسند القوة بالخيرات المقبلة… (بمعنى يعيننا هنا بعربون الملكوت الداخلي، ويكافئنا في الأبدية بكمال مجد الملكوت).

إن كنا نريد ألا نهاب الموت فلنقف حيث المسيح، ليقول لنا نحن أيضًا:
الحق أقول لكم أن من القيام ههنا قومًا لا يذوقون الموت… فمن نالوا الشركة مع المسيح لا يذوقون الموت. سيموت الجسد لكن تبقى الروح حية.

 

من هو الإنسان الذي لا يذوق الموت إن كانت لا قيامة إلا بعد الموت؟…
إنّه الهلاك الأبدي !
يوجد أناس أموات وهم يعيشون هنا، كما يوجد أحياء حتى وإن ماتوا، إذ قيل “وإن مات يتكلم بعد” (1 تي 5: 6). كما قيل: ليبتلعهم الموت ولينحدروا إلى الهاوية (مز 55: 16). الذين ينحدرون أحياء في الهاوية هم الخطاة الذين تحدرهم الخطية إلى الهاوية، أما الأحياء الذين لا تنتهي حياتهم: “إله إسحق وإله يعقوب، ليس الله إله أموات بل إله أحياء” (مت 22: 32).

The-Transfiguration

الملكوت والتّجلي

إذ وعد المسيح تلاميذه أن بعضًا من القيام معه يعاينون ملكوت الله آتيًا بقوة لم يحدّد أسماء الذين يتمتعون بهذه الرؤيا، حتى لا يثير الحسد أو الغيرة بينهم. والآن نراه يأخذ بطرس ويعقوب ويوحنا ويصعد بهم إلى جبل عالٍ منفردين وحدهم [2] ليُعلن لهم بَهاء لاهوته. 

أولاً: يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن ما كتبه الإنجيليون عن التجلّي إنّما قدرَ ما تستطيع اللّغة أن تعبر، إذ كان المنظر أعظم مِن أن تسجله ألفاظ بشرية، إذ يقول: [لو أنه أضاء كالشمس لما سقط التلاميذ، إذ هم يرون الشمس كل يوم ولا يسقطون، لكنه أضاء بأكثر بهاء من الشمس… فلم يحتملوا بهاءه، لذلك سقطوا على الأرض.]

ثانيًا: يقول الإنجيلي: “بعد ستة أيام أخذ يسوع بطرس ويعقوب ويوحنا، وصعد بهم إلى جبل عالٍ منفردين وحدهم” [2]. سبق فرأينا أنّ انقضاء هذه الأيام السّتة قبل التّمتع بالتجلي تشير إلى كمال جهادنا على الأرض لننال كمال المكافأة بالدخول إلى شركة المجد الإلهي.  بينما يرى العلامة أوريجينوس في هذه الأيام الستة تشير إلى راحتنا الحقيقية في الرب بعبورنا ستة أيام الخليقة ودخولنا إلى اليوم السابع أو السبت الروحي.

 القديس أمبروسيوس : [من يرتفع فوق العالم، فوق أزمنة الدهر، ويثبت في الأعالي يتطلّع إلى ثمار الأبدية التي للقيامة العتيدة. إذن فلنتخطى أعمال الحياة حتى نستطيع أن نرى الله وجهًا لوجه]

أما هؤلاء الثلاثة الذين تمتّعوا بمحبة الرّب والارتفاع معه على جبلٍ عالٍ للتّمتع ببهائه فهم بطرس ويعقوب ويوحنا، وكما سبق فقلنا يشيرون إلى الإيمان العامل بالمحبة، بدون الإيمان الحي العامل بالمحبة لن نستطيع معاينة مجده. وقد لاحظ القديس أمبروسيوس أن هذه العطية قدمت لهم بعد الحديث الشخصي الذي تم بين السيد وتلاميذه، فاعترفوا على لسان بطرس الرسول أنه المسيح، وكأن هذا التجلي جاء مكافأة لهذا الاعتراف.
يقول القديس أمبروسيوس: [سيتمتع ببركات القيامة هؤلاء الذين سبقوا فاعترفوا بالمسيح، فلا يقوم الأشرار في مجمع الصدّيقين (مز 1: 5) بل يعاقبون بالدينونة التي سقطوا تحتها] 

يرى القديس أمبروسيوس في اختيار ثلاثة من تلاميذه إشارة إلى الحاجة للإيمان بالثالوث القدوس، إذ يقول: [لا يستطيع أحد أن يعاين مجد القيامة إن لم يؤمن بسرّ التثليث بإيمان ثابت صادق.] ولعل اختيار ثلاثة تلاميذ يشير إلى حاجتنا إلى الحياة المقامة في المسيح يسوع القائم في اليوم الثالث، بهذه الحياة الجديدة نرتفع على جبل تابور لنعلوا فوق الموت، متمتعين ببهاء القيامة العاملة في داخلنا.

ثالثًا: في نصٍ منسوب للقديس يوحنا الذهبي الفم قيل أن ملَامح السيد المسيح عند تجلّيه بقيت كما هي لكن أُعلن بهاء مجده. لقد بقى السيد المسيح بجسده، لكن الجسد حمل طبيعة جديدة مملوءة بهاءً ومجدًا، هكذا نحن أيضًا في القيامة العامة نحمل ذات الجسد الذي شاركنا جهادنا، له ذات الملامح لكنه يتسم بسمة المجد الفائق الذي يهبه له الله ليناسب الحياة السمائية الأبدية.

رابعًا: ماذا يعني بقوله: “وتغيرت هيئته قدّامهم” ؟
إلا أن المجد الذي أُعلن بتجليه ليس بالأمر الجديد عليه ولا بهبة خارجية قُدمت له، إنما هو مجرّد إعلان لمجد خفيٍّ فيه ظهر في هذه اللّحظات قدامهم. وكأن التغيّر أمر لا يخصّ طبيعة السيد، إنمّا يخص أعين التلاميذ التي انفتحت لتعاين ما تستطيع معاينته.

ما أحوجنا أن ننفرد بالسيد المسيح في أعماقنا الداخلية ليفتح عن عيوننا الروحية ونرى ذاك المصلوب الذي قيل عنه: “كعرقٍ مِن أرضٍ يابسة، لا صورة له ولا جمال فننظر إليه، لا منظر فنشتهيه” (إش 53: 2) إنه أبرع جمالاً من بني البشر (مز 45). هذا الذي قيل عنه: “محتقر ومخذول من الناس” (إش 53: 3)، مُشتهى كل الأمم (حج 2: 7).

 

خامسًا: يقول الإنجيلي: “وصارت ثيابه تلمع بيضاء جدًا كالثلج، لا يقدر قصّار على الأرض أن يبيض مثل ذلك” [3].
نحن ثيابه الملتصقين به:

ما هذه الثياب التي تلتصق بالسيد فتلمع ببهاء إلا كنيسته، كما يقول القديس أغسطينوس. هذه هي سمة المؤمنين الحقيقيين، البهاء الفائق، إذ يقول البابا غريغوريوس (الكبير): [لأن في علو بهاء السماوات العليا، الذين يضيئون بحياة البرّ يلتصقون به، إذ قصد بثيابه الذين يجعلهم ملاصقين له.]

سادسًا: كان ظهور موسى وإيليّا معه يحمل معان كثيرة.
يقدم لنا القديس يوحنا الذهبي الفم تعليلاً لظهورهما وهو إذ قالت الجموع عنه أنه إيليّا أو واحد من الأنبياء أراد أن يظهر موسى النبي وإيليّا مَعه أمام التلاميذ ليدركوا الفارق بينه وبين خدامه. 

لعلّه أيضًا أراد بظهورهما قبل الصّلب أن يُعلن لتلاميذه أنه يجب ألّا يخافوا مِن الصليب، فقد قبله بإرادته، وإلّا ما تمّت أحداثه. فإنّه أعظم مِن موسى الذي أنقذ الشعب مِن يد فرعون، ومن إيليّا الذي أرسل نارًا من السماء أحرقت قائدي الخمسين ورجالهما…

سابعًا: اشتهى بطرس أن يقيم ثلاثة مظال مادّية للحماية، فجاءت سحابة صغيرة تظللَّهم، ليدرك أنه في القيامة لا نحتاج إلى مظال مصنوعة بأيد بشرية، ولا إلى منازل ماديّة، وإنّما يظلّلنا مجد الله نفسه، الذي لا يُسبّب ظلالاً مُظلمة بل بالعكس يهب بهاءً ومجدًا. يقول القديس أمبروسيوس [مصدر هذا الظل روح الله الذي لا يظلم قلوب البشر بل يكشف لها عن الخفيات. هذا ما نجده في موضع آخر حيث يقول الملاك: “وقوّة العلي تظللك”… لم توجد السحابة بسبب رطوبة الجبال المدخنة (مز 103: 32) ولا بخار الهواء المتكثف، ولا غطت السماء بظلمة مُرهبة، وإنّما كانت سحابة نيّرة  نداها هو الذي يرسله كلمة الله يغمر قلوب البشر بالإيمان.]

ثامنًا: “فجاء صوتٌ مِن السحابة، قائلاً: هذا هو ابني الحبيب، له اسمعوا. فنظروا حولهم بغتة ولم يروا أحدًا غير يسوع وحده معهم” [7-8].

ماذا يريد صوت الآب: “هذا هو ابني الحبيب، له اسمعوا” إلا أن نقبل كلمة الله المتجّسد في حياتنا، نسمع له، ونثبت فيه فنصير نحن أنفسنا أبناء الآب المحبوبين له. غاية الآب أن يرانا ممجدين في ابنه، وكما يقول القديس أمبروسيوس:
[إذ نعاين مجد الله بوجوه مكشوفة نتغير نحن أنفسنا إلى تلك الصورة عينها (2 كو 3: 8).]

تاسعًا:  أوصاهم أن لا يحدثوا أحدًا بما أبصروا، إلا متى قام ابن الإنسان من الأموات” [9].

لم يشكوا في أنه المسيح بل بدأوا يتشكّكون فيما تسلّموه عن الكتبة والفريسيين بخصوص المسيح، لهذا سألوا: “لماذا يقول الكتبة أن إيليا ينبغي أن يأتي أولاً؟” [11]. لعلّهم بهذا السؤال يُعبّرون عَن الفكر اليهودي إذ كان مَشغولاً بإيليّا كمُهيّئٍ للطريق للمسيح الذي لا يموت. كانوا يعتقدون أن إيليا لا يزال يعمل لأجل إسرائيل في السماء، وأنه يظهر قبل مجيء المسيح بثلاثة أيام، في اليوم الأول يقف على أحد الجبال العالية ويرفع مرثاة على الأرض الخراب، ويعلن أن سلامًا يحل بالأرض، وفي اليوم الثاني يعلن أن خيرًا يحل بها، وفي اليوم الثالث أن خلاصًا يحل بها، عندئذ يأتي المسيح ليخلص إسرائيل، فلا مجال للموت ولا للقيامة!

سحبهم السيد من فكرهم الماديّ من نحو مجيء إيليّا والمسيح، مؤكدًا أن كل ما اشتهاه الآباء والأنبياء يتحقّق في أيّامهم وأنّ إيليّا قد جاء، ولكن ليس حسب الفكر الحرفي المادي، وأن المسّيا جاء في زمن تجسّده، لكنّه لا يملكُ زمنيًا، وإنّما خلال الألم والصليب. يقول السيد: “إن إيليا يأتي أولاً، ويرد كل شيء، وكيف هو مكتوب عن ابن الإنسان أنه يتألم كثيرًا ويُرذل. لكن أقول لكم: إن إيليا أيضًا قد أتى، وعملوا به كل ما أرادوا، كما هو مكتوب عنهم”[ 12-13].

كأنّه يقول: لقد وضعوا كلّ رجائهم في مجيء إيليا لا المسيح، وقد جاء إيليّا وعوض السّماع له قتلوه، وجاء المسيح وعوض الإيمان به يقتلونه. بمعنى آخر يطالبهم السيد المسيح بمراجعة أنفسهم لإدراك الأمور بفهمٍ روحيٍ وإيمانٍ جديدٍ.

لقد جاء إيليّا، إذ يقول الملاك بخصوص القديس يوحنا المعمدان “ويتقدّم أمامه بروح إيليّا وقوّته” (لو 1: 17).


† ♥

تابعونا على الفيسبوك: 
قلب مريم المتألم الطاهر
10509613_656184954476471_197786145256822204_n

Comments are closed.